أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العجوز والنافذة














المزيد.....

قصة قصيرة: العجوز والنافذة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 00:08
المحور: الادب والفن
    


كانت السماء منذ المغيب تجمع جيوشها في الأفق. سحب سوداء تتدافع كأنها قطع من ليلٍ انفلت من موعده، ورياح باردة تعوي بين الأزقة الخالية، بينما أخذ المطر يضرب أعمدة الكهرباء فتتراقص فوقها شرارات خاطفة تشبه ومضات إنذار لا يصغي إليها أحد.
في ذلك الليل، كانت نافذة صغيرة في بيت قديم شبه مفتوحة. لم تنتبه صاحبتها إليها وهي تكافح البرد والعزلة معاً.
تسلل رجلان من خلالها، كانا يتحركان بحذر شديد، كأن الظلام نفسه يقودهما. خطواتهما خفيفة إلى درجة أن خشب الأرض لم يشكُ من وطأتهما، وأعينهما تجوب المكان بحثاً عن شيء يسرقانه من بيتٍ بدا لهما خالياً من الحياة. لكن الحياة كانت هناك.
في ركن قريب من الموقد، جلست عجوز هزيلة تحتسي قهوتها ببطء. أمامها قطعة كعك يابسة، وعلى وجهها سكينة غريبة لا تشبه سكينة البشر الذين يعيشون وحدهم. رفعت رأسها نحوهما قبل أن ينطقا بكلمة، قالت بهدوء:
- تفضلا... القهوة ما زالت ساخنة.
تبادل اللصان نظرة مرتبكة.
أضافت:
- أعلم أنكما لم تأتيا ضيفين، لكن البرد في الخارج قاسٍ هذه الليلة.
تقدم أحدهما خطوة مترددة وقال:
- ألا تخافين منا؟
ابتسمت ابتسامة خافتة.
- ولماذا أخاف؟
- لأننا لصان.
- بل أنتم بشر قبلهما.
صمت الرجلان. كانا قد دخلا البيت وفي نيتهما أن يأخذا ما استطاعا حمله، لكن شيئاً مجهولاً بدأ يسرق منهما تلك النية قطعةً قطعة. سأل الآخر:
- وإن قررنا إيذاءك؟
أجابت وهي تصب لهما القهوة:
- ما كُتب لي سيصيبني، وما لم يُكتب فلن تقدر عليه الدنيا كلها.
كانت كلماتها تخرج هادئة كأنها لا تدافع عن نفسها، بل تروي حقيقة عاشت معها طويلاً.
جلسا قربها. دفعت إليهما طبق الكعك، اعتذرا في البداية، لكنها أصرت:
- كُلا منها... لعل بيننا خبزاً وملحاً هذه الليلة.
تناولا القطعة اليابسة على استحياء، بينما أخذ المطر يشتد خارج البيت، وكأن العاصفة تحاول اقتحام الجدران بعدما عجزت عن اقتحام تلك القلوب الجالسة حول فنجان قهوة. وبعد أن انتهوا، قالت فجأة:
- الآن تجولا في البيت وخذا ما تحتاجانه.
حدقا فيها غير مصدقين. لم يكن في صوتها أثر سخرية أو خوف أو استسلام، كانت جادة. نظر أحدهما إلى الغرفة الضيقة؛ سرير قديم، خزانة متآكلة، وصور باهتة على الجدران. لم يكن هناك ما يُسرق أصلاً، سوى امرأة أنهكها الزمن وما زالت تحتفظ بكرمها.
في تلك اللحظة شعر الرجلان بأنهما هما الفقيران، لا هي. ارتميا عند قدميها، راحا يقبلان يديها المرتجفتين اللتين حفرت السنين أخاديدها فيهما. قال أحدهما بصوت متهدج:
- سامحينا يا خالة.
وقال الآخر:
- سامحينا يا أمّي.
توقفت العجوز، كلمة واحدة فقط، أمي. ارتجفت شفتاها، منذ عقود طويلة لم تسمعها. منذ اليوم الذي ابتلع فيه البئر طفلها الوحيد، تاركاً في قلبها حفرة أعمق من البئر نفسه. مدت يدها إلى إصبعها ببطء، ونزعت خاتماً قديماً أكل الزمن بريقه. قالت:
- هذا كل ما بقي لي من الدنيا... إن أردتما شيئاً فخذاه.
تناول أحدهما الخاتم، تأمله لحظات، ثم أعاده إلى إصبعها. وقال:
- مكانه هنا يا أمي.
انكسرت في عينيها دمعة ظلت سنوات طويلة تبحث عن طريق للخروج. سألت بصوت خافت:
- أنا أمكما حقاً؟
أجاب الرجل:
- من هذه الليلة... نعم.
وأردف الآخر:
- سنعود لزيارتك دائماً.
ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة، لكنها بدت كأنها شمس أشرقت في بيتٍ نسي الضوء طريقه إليه.
ثم قالت:
- اذهبا الآن قبل أن تشتد العاصفة.
ولما همّا بالخروج، التفت أحدهما قائلاً:
- لكن لا تنسي إغلاق النافذة جيداً يا أمي.
ضحكت للمرة الأولى. خرج الرجلان تحت المطر، وظلت تراقبهما من خلف الزجاج حتى ابتلعتهما العتمة، أغلقت النافذة، ثم عادت إلى فراشها. تدثرت بفروة زوجها الراحل، تلك التي كانت تحفظ شيئاً من دفئه رغم مرور السنين، وأغمضت عينيها وقد امتلأ قلبها بشعور لم تعرفه منذ زمن بعيد.
في الخارج، استمرت العاصفة تعوي. أما في الداخل، فقد ساد هدوء عميق، وحين بزغ الصباح، كانت العجوز قد رحلت. لكنها لم ترحل وحيدة، لقد أخذت معها أخيراً ما كانت تنتظره منذ سنوات طويلة: أن تسمع كلمة "أمي" مرة أخرى، قبل أن تغفو إلى الأبد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف


المزيد.....




- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...


المزيد.....

- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العجوز والنافذة