أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود














المزيد.....

قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 13:07
المحور: الادب والفن
    


في كل فجر، كان ينفض غبار النوم عن جفنيه، ويدير مفتاح سيارة الرزق العتيقة، متوجهاً نحو دروب المدينة المزدحمة حيث تُلقى شباك الأمل في بحر الزحام، فلا يعود إلا حين يُرخي المساء سدوله، محمّلاً بما يسد رمق الأسرة من حاجيات. كان التعب ينهك مفاصله، لكنه كان يغادر فراش الأرق كلما لمعت ابتسامة طفل بريء، أو أومأت ابنته برضاها الصامت، كأن تلك الومضات تُعيد شحن روحه المنهكة بماءٍ سلسبيل.
لكن في صباح مشؤوم، استدار المفتاح في صمّام القلب، فلم يُحرّك ساكناً. حاول مراراً، كمن يُناجي آلةً صمّاء، حتى أيقن أن البطارية تلك الروح الخفية للآلة قد أعلنت عصيانها. فنظر إلى الأرض المفتوحة القريبة، وكأنها ساحة اختبار لمصيره، وفكّر في دفع السيارة بقوة عضلاته، لكنه لم يجد عوناً من أحدٍ في ذلك الفضاء الموحش. التفت نحو زوجته التي كان هيكلها النحيل كقصبةٍ في مهب الريح، فاتحها برجاء المهمة، فتردّدت كمن تُدرك أن جسدها لا يحتمل ثقل المسؤولية. لكنه أصرّ، وأوعز إليها أن تحتلّ مقعد القيادة ليس لتدير الدفة، بل لتكون واجهةً تُوحي بالتحكم، بينما هو خلفها يدفع من ظلام المجهول.
شرح لها بإلحاحٍ مُلح، وكأنه يلقنها درساً في فن التمثيل الحياتي:
- ما عليكِ إلا أن ترفعي قدمكِ عن دواسة الكلچ، وتضغطي بأخرى على عتلة البنزين، وأنا سأدفع من الخلف. لا تفكري، فقط نفذي.
كان يقرأ في مقلتيها رجفة الخوف وارتعاشة اليقين بأنها مجرد أداة في مشهدٍ لا تملك منه شيئاً، لكنه أقنعها بأن المجازفة هي وليد اللحظة، وأن الصورة وحدها هي ما يبقى في ذاكرة المارة.
دفع السيارة بقوة، وإذ بها تُصدر أزيز الحياة كوحشٍ استفاق من غفوته، فأمرها أن تحرر الكلچ، ففعلت، فانطلقت كالنار في الهشيم، كجمل جامح هاجمته الوساوس. صرخ فيها:
- خفّفي الضغط على عتلة البنزين.
لكن الخوف كان قد استحوذ على حواسها، وصارت قدمها الغائبة ترتجف على البنزين كغصنٍ في عاصفة، والعتلة تزداد انغراساً في قلب المحرك، وكأن السيارة قد وجدت شهيتها للاندفاع نحو المجهول. صار يركض خلفها، يناديها أن تدور المقود لتفادي الاصطدام بالجدران، لكن يدها كانت ترتعش كمن يمسك بجديلة الريح، والمقود يفلت منها بين لحظةٍ وأخرى، وكأن الدفة كلها ليست سوى قشرةٍ من ورق.
ووسط هذا الجنون، لم يجد مخرجاً سوى أن يتسلّق من المؤخرة، متشبثاً بهيكلها كمن يركب ظهر تنّين هائج، ودخل من النافذة الخلفية بدهاء الجائع للخلاص، متسللاً إلى مقعد القيادة من الجهة الأخرى، ليكبح جماحها قبل أن تتحطم على صخرة القدر. أوقف السيارة في آخر رمق، لكن يديه ارتجفتا غيظاً، فأشبع زوجته ضرباً، كمن ينتقم من واجهةٍ بريئة خانته، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن الخلل لم يكن في يدها المرتجفة، ولا في قدمها التي ظلت غائبة عن وعيها طوال المشهد.
أدرك حينها أن الخلل لم يكن في محرك صُنع ليُطاع، ولا في بطارية تُدير ذلك المحرك، بل في المقود الذي يتحرك بإشارات لا ترى، وكأن السيارة كلها ليست سوى جلد رقيق يُوحي بالحركة، بينما يقودها من الظل سائقٌ آخر، لا يريد لهذه العجلة أن تسير إلا حيث تملي عليه إشاراته الخفية، تاركاً الواجهة تواجه الفوضى، والقدم الغائبة تظل على الدواسة، ترفع وتخفض، وهي لا تدري إلى أين تمضي، ولا من يمسك بخيط السراب من وراء الجلد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد


المزيد.....




- -أليكسي ليونوف.. في ذاكرة النجوم-.. فيلم يوثق مسيرة أول إنسا ...
- التصوير الفوتوغرافي وسر -اللحظة الحاسمة-!
- موسكو.. اكتشاف آلات موسيقية أثرية وصفارة نادرة تعود إلى القر ...
- شاهد.. حِرفي سوري يحمي تراثا عمره 1400 عام من الاندثار
- رواية جديدة حول استهداف حراس أحمدي نجاد وتفنيد لمزاعم -نيويو ...
- دعوى تهز عالم الموسيقى والذكاء الاصطناعي في أمريكا.. اتهام ز ...
- نماذج اللغة الضخمة للذكاء الأصطناعي
- مشروع -إنسانيات عربية في الترجمة-.. نافذة فرنسية لتجسير الفج ...
- بمشاركة 16 دولة.. افتتاح الدورة الأولى لمهرجان دمشق الدولي ل ...
- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود