أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك للدكتور محمد عجاج جرجيس والدكتور حسن أحمد البرواري














المزيد.....

الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك للدكتور محمد عجاج جرجيس والدكتور حسن أحمد البرواري


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 22:33
المحور: الادب والفن
    


لا يُعدّ الموت خاتمة الإنسان بقدر ما هو بداية لاختبار أثره في الحياة. فالأعمار تنتهي، أما ما يتركه الإنسان من علم وفكر وإبداع فإنه يمتلك قدرةً على تجاوز حدود الزمن، ليصبح جزءاً من ذاكرة الأمم. ولعل أعظم ما يورثه الإنسان ليس المال ولا الجاه، بل المعرفة التي تضيء الطريق لمن يأتي بعده. ومن هنا، فإن الموروث لا يمثل بقايا الماضي الجامدة، وإنما هو ذاكرة متجددة تستعيدها الأجيال، وتعيد قراءتها وفق حاجاتها وأسئلتها ورؤيتها للعالم.
وقد أدرك المؤرخ العربي "ابن خلدون" هذه الحقيقة حين قال:
"التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق."
فالتاريخ ليس سرداً لما مضى، وإنما هو محاولة لفهم الإنسان عبر ما تركه من آثار وشواهد، ليصبح الماضي مرآةً للحاضر، ودليلاً للمستقبل.
إن ما يتركه الإنسان مكتوباً أو محفوظاً أو منقوشاً في ذاكرة الأرض لا يتوقف عند لحظة الرحيل، بل يبدأ حياةً جديدة في وعي الآخرين. فالموروث الساكن يموت بموت أصحابه، أما الموروث الحي فهو الذي يعيد الأحياء اكتشافه وتأويله، فيغدو جزءاً من حاضرهم ومستقبلهم. لذلك فإن الحضارات لا تبقى بالحجارة وحدها، وإنما بالعقول التي تمنح تلك الحجارة معنى، وبالقلوب التي تقرأ في صمتها حكايات الإنسان الأولى.
ومن هذا المنطلق، يبرز كتاب "التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك"، للدكتور الراحل محمد عجاج جرجيس، بالاشتراك مع الدكتور حسن أحمد قاسم البرواري، بوصفه عملاً علمياً يتجاوز حدود التوثيق الأثري، ليصبح رسالةً في حماية الذاكرة الحضارية من الضياع. فالكتاب لا يقدم وصفاً لعمليات التنقيب فحسب، بل يضع القارئ أمام مسؤولية الحفاظ على ما تبقى من الشواهد التي تؤكد عمق الحضارة وتراكمها عبر آلاف السنين.
وهنا تحضر كلمات المفكر الدكتور "مصطفى محمود" حين قال عن معنى الحياة:
"الحياة أن تترك أثراً بين الميلاد والموت."
وهي عبارة تختصر سيرة الدكتور محمد عجاج جرجيس، الذي لم يكن باحثاً في الآثار فحسب، بل كان باحثاً في هوية المكان والإنسان، حتى ترك للمكتبة العراقية أكثر من سبعين مؤلفاً توزعت بين علم الآثار، والفلكلور، والموروث الشعبي، فغدا أثره العلمي امتداداً لحياته، وليس مجرد سجل لإنجازاته.
ويتألف الكتاب من أربعة فصول، تناول فيها المؤلفان أعمال التنقيب الأثري الإنقاذي في موقع قشلة دهوك، ذلك الموقع الذي ظل واقفاً في مواجهة الزمن، شاهداً على تحولات التاريخ وتعاقب الحضارات. فالقشلة ليست بناءً أثرياً صامتاً، وإنما نصٌّ مفتوح تكتبه طبقات الأرض، وتقرأه معاول المنقبين، لتتحول كل قطعة مكتشفة إلى جملة جديدة في كتاب الحضارة.
ولعل أجمل ما يقدمه هذا الكتاب أنه يعيد تعريف علم الآثار بوصفه علماً لإنقاذ الذاكرة، لا مجرد بحث عن اللقى القديمة. فكل عملية تنقيب هي سباق مع الزمن قبل أن تبتلع الطبيعة أو العمران ما بقي من شواهد الماضي. وهنا تكتسب التقنيات الأثرية الإنقاذية أهميتها، لأنها لا تنقذ حجراً أو جداراً، وإنما تنقذ قصة إنسان، وهوية شعب، وصفحة من التاريخ.
ويصدق هنا قول الفيلسوف الروماني "شيشرون":
"التاريخ شاهد الأزمنة، ونور الحقيقة، وحياة الذاكرة."
فالآثار ليست جمادات صامتة، بل ذاكرة ناطقة، وكل اكتشاف أثري يضيف سطراً جديداً إلى كتاب الإنسان الطويل.
كما أن هذا العمل يعيد إلى الأذهان مقولة الفيلسوف "جورج سانتايانا":
"من لا يتذكر الماضي، محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى."
فالوعي بالماضي ليس ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة حضارية، لأن الأمم التي تعرف جذورها تكون أقدر على صناعة مستقبلها.
ومن خلال ما يقدمه الكتاب من نتائج علمية موثقة، تتجسد قشلة دهوك بوصفها متحفاً مفتوحاً تحت السماء، ومكاناً تتعانق فيه الشواهد المادية مع الذاكرة الإنسانية، لتمنح الباحث والقارئ فرصة إعادة قراءة صفحات ربما بقيت مطويةً في أعماق الأرض لقرون طويلة. وهنا لا يصبح التنقيب كشفاً عن الموجودات فحسب، بل استنطاقاً للصمت، وإعادةً للحياة في ذاكرة المكان.
ولعل ما يمنح هذا الكتاب بعداً وجدانياً خاصاً أنه صدر بعد رحيل مؤلفه الدكتور محمد عجاج جرجيس، فكأنه الكلمة الأخيرة التي تركها للأجيال القادمة. لقد غاب الجسد، لكن بقيت الصفحات شاهدة على عقل لم يتوقف عن البحث، وروح آمنت بأن حماية الآثار هي في جوهرها حماية لذاكرة الإنسان.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في ختام هذه القراءة، إن الدكتور محمد عجاج جرجيس أثبت أن الباحث الحقيقي لا تنتهي رحلته عند حدود العمر، وإنما تبدأ رحلة أخرى كلما فتح قارئ كتاباً من كتبه، أو استند باحث إلى فكرة من أفكاره. وهكذا يتحول الكتاب إلى حياة ثانية لصاحبه، ويتحول الأثر إلى لغة لا تعرف الموت. فالأرض تحفظ آثار من مرّوا عليها، أما الكتب فتحفظ أسماء الذين منحوا تلك الأرض صوتها، ولذلك سيبقى اسم الدكتور محمد عجاج جرجيس حاضراً كلما استنطق باحثٌ حجراً، أو أزاح منقبٌ طبقةً من التراب، أو قرأ عاشقٌ للتاريخ هذا السفر العلمي، ليوقن أن الإنسان يرحل، لكن أثره الصادق يبقى أطول عمراً من الزمن نفسه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...


المزيد.....




- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك للدكتور محمد عجاج جرجيس والدكتور حسن أحمد البرواري