أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثِقل السنابل














المزيد.....

قصة قصيرة: ثِقل السنابل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 08:45
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يحلم بأن يكون شيخاً، ولم يكن يسعى إلى انتزاع مكان أحد، بل كان يؤمن أن الجماعة حين تتفرق تصبح أرقاماً مبعثرة، وحين تتوحد تتحول إلى جدار لا تهزه الريح. وكان يرى أن كثرتهم نعمة مهدورة، وأن القوة ليست في عدد الرؤوس، بل في اتجاهها حين تلتقي على كلمة واحدة.
وكان يردد كلما اجتمع بأبناء مجموعته:
"السنابل الممتلئة لا تتعالى على غيرها، بل تنحني لأنها تحمل في داخلها ما يستحق أن يُصان، أما الفارغة فلا تعرف سوى الوقوف في وجه الريح."
لذلك كرّس سنوات عمره في جمع المتباعدين؛ يزور هذا، ويصالح ذاك، ويطفئ نار خلاف هنا، ويزرع بذرة أمل هناك. كان واسع الصدر، طويل النفس، يدرك أن بناء الإنسان أصعب من بناء البيوت، وأن الكلمة الصادقة قد تحتاج أعواماً حتى تؤتي ثمارها. ولم يبخل بوقته ولا بماله ولا بجهده، حتى غدا عطاؤه سجيّة يعرفه بها الجميع.
ومع الأيام استعادت الجماعة ثقتها بنفسها. صار أفرادها يتحدثون بصوت واحد بعد أن اعتادوا الهمس، وأصبح حضورهم في مجالس العشيرة حضوراً لا يمكن تجاوزه. لم يعودوا أفراداً تتقاذفهم المصالح، بل كياناً له رأي، وكلمة يُحسب لها حساب.
غير أن الضوء، كلما اشتد حول مصباح، أقلق الظلال.
كان الشيخ يراقب المشهد بصمت. وكلما ازداد التفاف الناس حول الرجل، شعر أن الأرض التي يقف عليها لم تعد صلبة كما كانت. لم يكن يخشاه بقدر ما كان يخشى الفكرة التي يحملها؛ فالأفكار، إذا وجدت من يؤمن بها، أصبحت أشد خطراً من أصحابها.
وحين أدرك أن المواجهة المباشرة قد تكلفه مكانته، اختار الطريق الذي لا يترك أثراً للأقدام. اقترب من أصحاب النفوس المرتجفة، ومن أولئك الذين يبدلون مواقفهم كما تبدل الريح اتجاه الغبار. منحهم القرب، وأشعرهم بالأهمية، وجعل منهم آذاناً تنقل الهمس، وألسنة تزرع الشك، ووجوهاً تبتسم هنا، بينما تعقد الصفقات هناك.
ثم اقترح إجراء انتخابات لاختيار شيخ للعشيرة، بحضور القائمقام، لتبدو الصورة مكتملة، وكأن العدالة ستجلس بين الجميع شاهدة على نزاهة المشهد.
قبل الرجل التحدي بثقة، لا لأنه وثق بالانتخابات، بل لأنه وثق بالوجوه التي كانت تملأ مجلسه كل مساء.
وقبل الموعد بيوم، جمعهم وسألهم سؤالاً مباشراً، كأنه أراد أن يطمئن قلبه أكثر مما أراد سماع الإجابة.
قال:
- أأدخل الانتخابات؟
فجاءه الجواب من أفواههم جميعاً، وكأنهم تدربوا عليه طويلاً:
- نعم... كلنا معك.
لكن الليل كان أكثر حركة من النهار.
كانت الأبواب تُطرق بخفة، والخطوات تتسلل فرادى نحو دار الشيخ. يدخل الواحد منهم ليعلن ولاءه، ثم يعود إلى مجلس الرجل مبتسماً، يحدثه عن الغد، وعن الخارطة الجديدة التي ستولد مع شمس اليوم التالي.
كان الليل ينسج خيوطه بصبر، بينما كانت الثقة تغفو مطمئنة.
وجاء موعد الانتخابات.
امتلأ المجلس برجال العشيرة، وجلس القائمقام في صدر المكان ينتظر بدء الإجراءات. ووفق الأعراف وقف الشيخ ورحب بالحاضرين، وأثنى على روح الشفافية. ثم التفت إلى القائمقام وقال بهدوء الواثق:
- لا حاجة للاقتراع يا سيادة القائمقام... يكفي أن تطلب ممن يؤيد هذا الرجل أن يرفع يده.
ساد صمت ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. أدار الرجل بصره في الوجوه التي كانت، حتى ليلة أمس، تهتف باسمه.
لم يرَ يداً ترتفع.
رأى رؤوساً تنحني، وعيوناً تهرب من عينيه.
عندها فقط أدرك أن ما نُسج في العتمة لم يكن مجرد مؤامرة، بل امتحاناً سقطت فيه القلوب قبل الأيدي، وأن الذين وعدوه بالثبات كانوا أخف من أن يحملوا ثقل الموقف.
ابتسم ابتسامة صغيرة، بدت أقرب إلى الحكمة منها إلى الهزيمة. كأنه اكتشف، في لحظة واحدة، أن الامتلاء وحده يمنح صاحبه ثقلاً، وأن الريح لا تعبث إلا بما كان أجوف. لذا تقدم خطوة، صافح الشيخ، وقال بصوت هادئ:
- أسأل الله أن يعينك.
ثم استأذن بالمغادرة، معللاً ذلك بأن لديه أمراً لا يحتمل التأجيل.
خرج وحده.
وفي الطريق، كانت الريح تمشط سنابل الحقول. بعضها ظل منتصباً، يفاخر بعلوّه، كأنه لم يحمل في جوفه سوى الهواء، أما السنابل المثقلة بحبوبها فقد انحنت حتى لامست التراب، لا ضعفاً ولا انكساراً، بل لأن الامتلاء يعرف معنى التواضع، ولأن الثمار تمنح أصحابها ثقلاً لا يعرفه الخواء.
توقف طويلاً. نظر إلى الأفق، ثم إلى الأرض تحت قدميه. ابتسم ابتسامة خفيفة، ومضى...
فالأرض وحدها كانت تعرف ثقل السنابل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني


المزيد.....




- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثِقل السنابل