أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة














المزيد.....

قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 08:28
المحور: الادب والفن
    


كان الشتاء في القرى لا يبدأ بانخفاض درجات الحرارة، بل برائحة الطين المبلل، وبصوت المطر وهو يطرق سقوف البيوت الطينية طوال الليل، حتى يبدو الصباح وكأنه خرج لتوّه من رحم الغيم. وفي مثل تلك الصباحات، كانت الطفولة تتعلم مبكراً أن الدفء ليس متاحاً دائماً، وأن الطريق إلى المدرسة قد يكون أول درسٍ في الصبر قبل أن يكون طريقاً إلى المعرفة.
نهض من فراشه قبل أن يكتمل الضوء. كان البرد يزحف بين أطرافه الصغيرة، بينما كانت الدار الطينية ما تزال تغط في سكون الفجر. لم يكن أمامه سوى الاستعداد لرحلة المدرسة الابتدائية، تلك التي تبعد مسافة طويلة يقطعها سيراً على الأقدام.
كان يعرف الطريق جيداً؛ طريقاً ترابياً ابتلعه مطر الليلة الماضية، حتى تحول إلى وحل يلتصق بالحذاء الصغير ويثقل الخطوات.
اقترب من الطباخ النفطي ذي المشاعل الثلاثة. كانت إحدى عيونه تشتعل بلهب أزرق صافٍ، لكنها تُصدر صفيراً حاداً متقطعاً. لم يكن يدرك سبب ذلك الصوت، لكنه كان يثير في داخله خوفاً غامضاً. أكان الخلل في الطباخ؟ أم أن الحمى التي لازمت جسده منذ أيام جعلت أذنيه تسمعان ما لا يسمعه الآخرون؟
راح يحدق في اللهب طويلاً. ومع كل صفير، كان يتخيل ظلالاً تتحرك داخل الزرقة، أشباحاً صغيرة تتقدم وتتراجع، تتداخل ثم تختفي، فيما تتناهى إليه همسات مبهمة لا يعرف مصدرها. كان يريد أن يبتعد، لكن البرد كان أقوى من خوفه، فظل يمد كفيه نحو النار، وكأنه يفاوضها على هدنة قصيرة.
وفي الجهة الأخرى من الدار، كانت والدته منهمكة عند التنور. كان يسمع صوت كفيها وهي تلصق الأرغفة بجدار التنور الحار، ثم يسمع وقعها وهي تنتظر نضجها. كان ذلك الإيقاع يمنحه شيئاً من الطمأنينة، وكأن الخبز الساخن وعدٌ خفي بأن هذا الصباح سيمضي بسلام.
ارتدى ملابسه، ثم تناول جوربيه اللذين بقيا رطبين من مساء الأمس. قربهما من اللهب قليلاً ليجفا، غير أن خيوط النايلون استسلمت للنار سريعاً، وانفتحت فيهما ثقوب واسعة. ظل ينظر إليهما في صمت، ثم لبسهما كما هما. لم يكن يملك غيرهما.
حين أدخل قدميه في الحذاء، شعر بشيء من الارتياح؛ فقد أخفى الحذاء معظم الثقوب. لكنه، وهو يشق الطريق الموحل نحو المدرسة، لم يكن يخشى الوحل بقدر ما كان يخشى العيون.
كان يراقب وجوه التلاميذ أكثر مما يراقب الطريق. كلما التقى أحدهم، ظن أن نظرته تسللت إلى داخل الحذاء، ورأت الثقوب التي حاول إخفاءها. وإذا تعالت ضحكة في الساحة، أيقن في سره أنها خرجت بسببه، مع أن أحداً لم ينظر إلى قدميه، ولم يكن أحد يعلم أصلاً بما يخفيه حذاؤه.
وحين دخل الصف، جلس في مقعده بهدوء، وأخفى قدميه تحت الرحلة الخشبية، وظل طوال الدرس يحاول أن يبدو طبيعياً، بينما كانت عيناه تراقبان المكان في قلق لا يهدأ.
مرت الأعوام، وتبدلت المدارس والطرقات والملابس، لكن ذلك الصباح بقي حياً في ذاكرته. أدرك، بعد زمن طويل، أن أكثر الثقوب اتساعاً ليست تلك التي أحرقتها النار في جوربيه، بل تلك التي يفتحها الفقر في روح الطفل، فيجعله يظن أن العالم كله ينظر إليها، بينما لا يراها أحد.
وربما لهذا السبب، كلما لمح في أيامه رجلاً يطيل النظر إلى حذائه، ابتسم في سرّه... فقد تذكر أن بعض الثقوب لا تُخاط بالإبرة والخيط، لأنها لا تكون في القماش، بل في الذاكرة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة


المزيد.....




- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة