أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الطوق














المزيد.....

قصة قصيرة: الطوق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 08:37
المحور: الادب والفن
    


في ليلةٍ ربيعيةٍ تلبدت فيها السماءُ بالغيوم الثقيلة، وكأنها تُخفي وراء سوادها غضباً قديماً يستعد للهطول، كانت الريحُ الباردة تتسلل من نوافذ الغرفة الواسعة المفتوحة، فتدور في أرجائها ببطءٍ كأنها تبحث عن روحٍ ضائعة. المنطقةُ كلها تعيشُ اضطرابَ الفصل؛ أمطارٌ مرتقبة، وسماءٌ قلقة، ووجوهٌ اعتادت انتظار العاصفة دون أن تسأل: لماذا تأتي دائماً؟
في زاويته المعتادة جلس الشاب على دكته الصغيرة، تلك التي اختير له مكانها بعناية، بحيث يرى كلَّ قادمٍ إلى المجلس ويُبلغ سيده فوراً. كان وجوده جزءاً من نظامٍ قديمٍ يشبه السلاسل غير المرئية؛ يتحرك بأوامر، يصمت بأوامر، ويعتذر للناس بأعذارٍ جرى إعدادها مسبقاً حتى تحولت إلى طقوسٍ يومية لا تحتاج إلى تفكير.
جلس يستمعُ إلى الأحاديث المتشابكة، يتأمل الوجوه المنحنية، ويراقب الطريقة التي يخفض بها الحاضرون أصواتهم حالما يقترب اسم السيد من آذانهم .شيءٌ ما في أعماقه كان يرفض ذلك المشهد؛ إذ بدا له الجميع وكأنهم نسخٌ متشابهة من خوفٍ واحد، أرواحٌ أنهكها الترويض الطويل حتى فقدت قدرتها على التمرد. كان يرى في أعينهم طاعةً عمياء تشبه الموت البطيء، ويرى في انحناءات ظهورهم تاريخاً طويلاً من الاستسلام .أجسادٌ تتحرك، لكن أرواحها مكبلة بطوقٍ غير مرئي.
تساءل بصمت:
"لماذا يبدو البشر أحياناً سعداء بقيودهم؟ هل يعتاد الإنسان الذل إلى الحد الذي يخاف فيه الحرية؟"
كان الضجيج يملأ المجلس؛ ضحكاتٌ مصطنعة، ومجاملاتٌ خاوية، ووجوهٌ تتلون حسب مصلحة اللحظة. رأى كيف يتقنون الانحناء، وكيف يخفون أنيابهم خلف كلمات الطاعة، وكيف تحولت الحياة عندهم إلى غريزةٍ بدائية: أن يأكلوا، ويشربوا، ويتكاثروا، ثم يورثوا أبناءهم الطوق ذاته باسم الحكمة والخبرة والطاعة.
هنا شعر بأن السؤال لم يعد عنهم فقط، بل عنه هو أيضاً. ردد في أعماقه بمرارة:
"إنهم عبيد مثلي… لكن الفرق أن قيودي ظاهرة، أما قيودهم فقد استقرت داخل أرواحهم."
راح يستعيد طفولته ببطء؛ ولادته في ذلك البيت، وصوت الأوامر الذي رافق سنواته الأولى، ووالديه اللذين أورثاه الخضوع كما تُورث الملامح والأسماء. لم يكن يعرف من العالم سوى حدود ذلك الديوان، ولا من الحياة سوى الإسراع لتلبية رغبات الآخرين. كبر وهو يظن أن الطاعة قدر، وأن الإنسان خُلق ليؤدي دوره بصمت. لكن شيئاً غامضاً كان ينمو في داخله، شيئاً يشبه الشرارة المدفونة تحت الرماد؛ قوةٌ مكبوتة كانت كل الإهانات تزيدها اشتعالاً.
حين انتهى المجلس، سمحوا له بالذهاب إلى غرفته البعيدة خلف الديوان. دخلها متعباً، رتب محتوياتها البسيطة، ثم تمدد فوق سريره المصنوع من العاقول اليابس .راح يحدق في سقف الغرفة، بينما كانت ذاكرته المحدودة تدور في محيط البيت ذاته، كأن العالم لا يتجاوز تلك الجدران.
وفجأة… لمح شاباً يجلس على حافة السرير المقابل. كان يشبهه تماماً.تسارعت أنفاسه، وشعر بأن قلبه يطرق صدره بعنف. تأمله بذهول وهمس:
- من أنت؟
وقف الشبيه ببطء .كان شاحب الوجه، مطأطئ الرأس، يحمل في عينيه حزناً عتيقاً يشبه حزن المرايا حين تعكس الحقيقة. مد يده نحوه دون كلام، وما إن أمسكها حتى شعر بأن الأرض انسحبت من تحته. وجد نفسه في عالمٍ آخر. تغيرت ملامح البناء، وتبدلت هيئة الأثاث، لكن الرائحة ذاتها بقيت؛ رائحة الخضوع القديمة .أما الرجال الذين اعتاد رؤيتهم حول سيده، أولئك المتسلقون أصحاب المصالح، فقد بدوا أكثر شراسة، كأن الزمن منحهم مخالب أطول وأنياباً أحدَّ .ورأى سيده هناك… أكثر غطرسة مما كان، يجلس في مكانٍ مرتفعٍ كأنه إلهٌ صغير، تحيط به دائرةٌ من الحراس والجلساء، يمنعون الجميع من الاقتراب.
شعر بالخوف ينهشه ببطء، ثم التفت بعينين مرتجفتين نحو دكته القديمة… ليجد رجلاً آخر يجلس فوقها. حينها فقط أدرك الحقيقة المرعبة:
"لم يكن الطوقُ يُوضع على الأعناق ليقيد الأجساد فقط، بل ليجعل الإنسان قابلاً للاستبدال دائماً، وكأن العبيد لا أسماء لهم… بل وظائف تنتقل من عنقٍ إلى آخر."



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير


المزيد.....




- كاريليا في صدارة المناطق الروسية الأكثر ارتباطا بالسينما بفض ...
- فن الفسيفساء الجلدية.. حرفة قازانية عريقة في معرض بمدينة يكا ...
- كاتب يهودي يفكك الرواية الإسرائيلية ويوثق -هندسة الإبادة- في ...
- مخرجة فرنسية سورية تروي قصة مهاجرة سورية في فيلم (الغريبة)
- تجربة في المشاهدة: المخرج الصيني تشانغ ييمو
- -ليلة العمى- التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر
- كلاكيت: ملحمة هوميروس في السينما
- هجمات إسرائيل وسلاح حماس.. سلام غزة في فخ التفاصيل يعتبر ال ...
- بين فيثاغورس وغوبلز وحرب الترددات.. كيف صُنع سلم الموسيقى؟
- ستقدم فيه أغاني ألبومها الجديد.. نفاد تذاكر حفل أنغام في جدة ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الطوق