أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم














المزيد.....

قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 02:18
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يعرف لنفسه اسماً غير اللقب الذي اعتاد الجميع أن ينادوه به. كان اللقب يكفي في البيت، وبين أطفال القرية، وحتى في ألعاب الأزقة الترابية. أما الاسم الحقيقي، ذلك المكتوب في هوية الأحوال المدنية، فلم يكن يعني له شيئاً، لأنه لم يسمعه يوماً، ولم يحتج إليه.
لكن الأيام تمضي سريعاً... وحين بلغ السن التي تؤهله لدخول المدرسة، اكتشف أهله أن للمدرسة قانوناً لا يعترف بالألقاب وحدها، وأن عليه أن يحمل اسماً كما يحمل حقيبته الصغيرة المصنوعة من القماش.
جلسوا حوله يلقنونه اسمه، مقطعاً بعد آخر، وهو يردده ببراءة، كأنه يحفظ بيتاً من الشعر أو أغنية قصيرة. كان يبتسم كلما نطقه صحيحاً، فيصفق له الجميع.
وفي صباح اليوم التالي، ارتدى ملابسه الجديدة، وحمل بيده الصغيرة حلماً أكبر من قامته، وأخذ يردد اسمه طوال الطريق، خشية أن ينساه قبل أن يصل إلى المدرسة.
إلا أن الطريق كان يخبئ له امتحاناً آخر. قبل المدرسة بقليل، كانت تمتد ساقية ضيقة، لا يتجاوز عرضها خطوة واحدة. كان الماء يجري فيها بهدوء، لكن الطفل كان يراها أوسع من نهر. وقف عند حافتها، يتأملها طويلاً، مد قدمه، ثم تراجع. قال في نفسه:
- لو سقطت... ماذا سيحدث؟ وهل يستطيع الماء أن يأخذ الأطفال معه؟
حاول مرة أخرى. اقترب، تراجع. ظل يتردد، حتى جمع شجاعته، وقفز دفعة واحدة إلى الضفة الأخرى. وما إن استقرت قدماه على الأرض حتى شعر أن شيئاً ما قد انزلق من رأسه، حاول أن يتذكر، أغمض عينيه، ردد الحرف الأول، لكن الاسم كان قد اختفى. وقف مذهولاً، ثم استدار عائداً إلى البيت.
سأله والده مبتسماً:
- ألم تصل إلى المدرسة؟
أجاب بخجل:
ـ وصلت إلى الساقية... لكنني نسيت اسمي.
ضحك الجميع، ثم أعادوا تلقينه الاسم مرة أخرى، وأوصوه ألا يشغل باله بالماء، بل بالاسم.
خرج ثانية، وظل يردد الاسم طوال الطريق، وكأنه يخشى أن يسمعه الهواء فيسرقه. وحين وصل إلى الساقية، عاد الخوف ذاته. قفز، ولم تمض ثوانٍ حتى مد يده إلى رأسه يبحث عن الاسم، لكن الساقية كانت قد أخذته مرة أخرى.
عاد للمرة الثانية، مطأطئ الرأس. عندها أدرك أهله أن المشكلة ليست في ذاكرته، بل في تلك الساقية الصغيرة التي كانت، كلما وقف أمامها، تملأ قلبه بالخوف حتى ينسى كل شيء.
أخيراً أمسك أحدهم بكفه، وكتب اسمه كاملاً على راحة يده بحروف كبيرة، ثم قال:
ـ إذا خانتك الذاكرة، فانظر إلى يدك.
ابتسم الطفل، وكأن يده أصبحت كتاباً صغيراً. انطلق للمرة الثالثة، ولما بلغ الساقية، قفز سريعاً، ثم فتح كفه على الفور. كان الاسم ما يزال هناك، تنفس بارتياح، وأكمل طريقه.
دخل المدرسة، ووقف أمام المدير، ومد راحة يده الصغيرة بصمت. قرأ المدير الاسم، ثم سجله في دفتر التلاميذ، بينما كان الطفل ينظر إلى الحروف وكأنه يراها لأول مرة.
ومع مرور الأعوام، نسي شكل تلك الساقية، وتبدلت الطرق، واختفت معالم كثيرة من القرية، لكنه كلما وقف أمام عتبة جديدة في حياته، أو واجه خوفاً يشبه خوف الطفولة، كان يشعر أن هناك، في مكان ما، ساقية صغيرة ما تزال تنتظره...
وهناك...
قد يضيع الاسم من جديد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)


المزيد.....




- تركي آل الشيخ يشيد بمسلسل -الأمير- لأحمد عز: سيغيّر صناعة ال ...
- -مجانين-.. تركي آل الشيخ يشارك فيديو طريف لأبطال مسرحية -الس ...
- رقم قياسي في عامه الأول.. المتحف المصري الكبير يدخل قائمة ال ...
- الموصل تحتفل بافتتاح بيت لفناني المحافظة
- أدب السجون في اتحاد الأدباء ..ورواية -من وحي الألم- للكاتب د ...
- -النبأ الثاني-.. فيلم يوثق التحول المؤسسي الأضخم في الجزيرة ...
- سمر نور للجزيرة.. فوزي بجائزة -كتارا- مسؤولية كبرى.. ورواية ...
- صحفيو غزة أمام الكاميرا.. حين تجسد السينما حياة من يوثقون ال ...
- المخرج سعيد الماروق يعتذر عن ظهور جواز سفر عماني في مشهد شعو ...
- جامع العرب في الزرقاء.. قرن من التاريخ وخدمات تتجاوز أوقات ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم