أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: السراب














المزيد.....

قصة قصيرة: السراب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 01:57
المحور: الادب والفن
    


تنشأ في بيئة عائلية ميسورة، تتوفر فيها سائر الاحتياجات وأكثر، وكأن الوفرة لم تكن نعمة فحسب، بل سؤالاً خفياً يتسلل إلى داخلها: ما الذي ينبغي أن أكونه كي أستحق هذا الامتلاء؟ منذ طفولتها، كانت تسعى إلى أن تكون في المقدمة دائماً؛ في هندامها، في تلاوتها للنشيد المدرسي، وفي محاولتها الإجابة عن كل سؤال يُطرح داخل الصف، حتى حين تتعثر في بعضه. ومع مرور الزمن، لم يعد هذا السعي مجرد رغبة عابرة، بل تحول إلى حافز داخلي يتغذى على فكرة التفوق بوصفه شرطاً للوجود.
كبر معها ذلك الإصرار حتى صار المرآة رفيقها اليومي، لا بوصفها سطحاً يعكس ملامحها، بل بوصفها حكماً صامتاً تقيس عبره قيمتها. كانت تطيل النظر إلى نفسها، وتنسج مقارنات ذهنية دقيقة مع زميلاتها، وكأن الجمال ليس صفة، بل ترتيبٌ في سلّم خفيّ لا يُرى.
تسأل نفسها أمام المرآة، في همسٍ داخلي يكاد يشبه المناجاة:
- هل أنا الأجمل؟
ثم تتراجع عن الإجابة كمن يخشى الحقيقة:
- لا… لا بد أن أغيّر ملابسي، أن أرتدي ما يواكب الموضة.
وحين تلبس الجديد، تقف أمام المرآة وقد امتلأت ابتسامتها بشيء من الزهو الممزوج بالارتباك، تدور حول نفسها كأنها تختبر وجودها من زوايا متعددة، بينما خصلات شعرها الطويلة تغطي جزءاً من وجهها، فتقهقه بصوت عالٍ:
- أنا الأجمل… حتماً أنا الأجمل.
لكن هذه الجملة، التي بدت يقيناً في لحظتها، لم تجد صداها في الخارج. تذهب إلى المدرسة مسرعة، تراقب هندامها بين الفينة والأخرى، وتشد تنورتها إلى الأسفل وكأنها تحاول تثبيت صورة لا تريد لها أن تتشقق. غير أن المفاجأة كانت صامتة وقاسية: لم ينتبه إليها أحد.
يتسلل السؤال إلى داخلها كجرحٍ بطيء:
- هل حقاً لم أكن ملفتة؟ هل فيَّ ما يشبه القبح؟
ومن هنا، يبدأ التحول غير المرئي؛ لم تعد الفكرة مجرد تساؤل، بل صارت هاجساً يداهمها ويستقر في أعماقها كظلّ لا يغادر. شيئاً فشيئاً، تتحول لعنة القبح في مخيلتها إلى كيانٍ ضخم، مشوّه، صنعته الصور التي التقطتها من الأفلام: عجوز شمطاء، مقوسة الجسد، بأنف طويل وملامح مخيفة، كأن الجسد غير الجميل لا ينتمي إلى الإنسان بل إلى دائرة الشر والشيطان.
تتكرس في داخلها قناعة خفية: أن الجسد هو العملة الأولى في هذا العالم، وأن المظهر ليس تفصيلاً خارجياً بل معيار وجود. ومع هذا الاعتقاد، تبدأ رحلة إنهاك صامت؛ فكل يوم يصبح محاولة مستمرة للحفاظ على نضارة تتآكل في داخلها أكثر مما تتغير في الخارج. حتى صوت الحياة اليومية كصياح الديكة واحتراق الدقائق يتحول في وعيها إلى تذكير قاسٍ بفقدان السيطرة على الزمن وتفلت المعايير من بين يديها.
ومع تراكم هذا الضغط، يتراجع حضورها في الحياة، وتنكمش حركتها الداخلية، فتلوذ بالقراءة كملاذ أخير، تلتهم الكتب واحداً تلو الآخر، كأن المعرفة يمكن أن تعيد ترتيب التشوّش الذي يسكنها. لكن الكتب، رغم اتساعها، لا تنجح في تهدئة ذلك الصراع الخفي.
في لحظات متقطعة، يظهر في وعيها كائن طفولي غامض، تسميه في سرّها خاطف الليل، كأنه صوت آخر يسألها من داخلها:
- هل وجدتِ ذاتكِ في الغوص بين الصفحات؟
لكنها ترتجف من هذا الصوت، تراه هوساً ليلياً، أو كابوساً يهدد استقرار وهمها. ومع ذلك، يهمس لها ببرود قاسٍ:
- اتركي الدموع… فالمقدمة لا تحتاج إلى كل هذا الانكسار.
ومع الزمن، تبدأ بالتمرد على تفاصيل صغيرة: تريد أن تجلس في مقدمة المجلس العائلي، ترفض التهميش، وتصرّ على أن تُنادى باسمها الكامل لا بوصفها “ابنة فلان”. وكأنها تحاول إعادة تعريف وجودها خارج الظل الذي فُرض عليها.
وتتشكل في داخلها فكرة أكثر اتساعاً عن الأنوثة؛ لم تعد عندها مجرد مظهر أو امتثال، بل طاقة على التنوير والاحتواء، وإن كان هذا الفهم ممزوجاً برغبة عميقة في كسر القيود الاجتماعية. لكنها، في الوقت نفسه، لا تخفي ميلها إلى تجاوز بعض التوقعات التقليدية؛ تارة تميل إلى خشونة الرجال في الجلوس والتصرف، وتارة تتباهى بأنها قادرة على أن تُدار حياتها كما تشاء، دون أن تحتاج إلى سند يحدد حدودها.
هكذا تتأرجح بين صورة تُراد لها، وصورة تحاول أن تصنعها، بين مرآة الخارج التي تُقلقها، ومرآة الداخل التي لم تتشكل بعد… وكأن وجودها كله سؤال مفتوح لم يُكتب له جواب نهائي بعد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل


المزيد.....




- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: السراب