أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العشقُ المستحيل














المزيد.....

قصة قصيرة: العشقُ المستحيل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 00:13
المحور: الادب والفن
    


نشأ أحمد وترعرعَ في كلِّ فَجِّ لا تمتدُ إليه يدُ التطورِ العبثي، في البوادي، في الوديان، قرب المنابع، يشربُ من ماءِ الندى في الصباح، ويتغذى من عصارةِ الأرض، يستيقظُ على همسِ ريحِ الصبا، ويمسي على صوتِ لحنِ نايٍ بعيد، يتمايلُ مع اللحنِ الحزين، قدره أن يكون كذلك، فالجذورُ امتدتْ في عمقِ الأرض، يغفو على حلمِ هواءٍ نقي، ويملأ رئتيه بعشقٍ أزلي لها، هكذا نشأ وهكذا ترعرع، وهكذا انطلق في حياةٍ بروحٍ سمحةٍ طيبةٍ معطاء، لا يخشى من شيء، فكأنه اقتلعَ جذورَ الخوفِ من أعماقه.
أكملَ دراسته الإعداديةِ في ثانويةٍ تجمع كلَّ أبناءِ القرى المجاورةِ المحاذيةِ لنهرِ دجلة، إذ لا تتجاوز حدود معرفته بالعالم لأكثرِ من الخمسين من الكيلومترات، فمن هذه الثانوية يجدُ نفسه يرى كلَّ أطيافِ المنطقة، واستطاع أن يحدثَ مقارنةً سريعةً للتوجه العام، وأن يرسمَ على ضوئِها طريقَ مستقبله، كي يتخلصَ من الفقرِ المدقعِ الذي امتدتْ جذوره إلى عشراتٍ من السنين، إذ لم يدر دولابُ الحياةِ قيد أنملة، فكأن الفقرَ متوارث، لذا بدأ من هنا بأن يختارَ الطريقَ المختصر، ألا وهو طريق العسكريةِ، فأبوابُ الكليةِ مفتوحةٌ لمن يرغب.
دقائقٌ من التأرجحِ ما بين الأفكار, يجلسُ تحت الظلِ الوارفِ للشجرةِ الكبيرةِ في منتصفِ الحوش, يستسلمُ إلى دندنةِ الشعرِ والخواطرِ من مذياعِهِ الصغير, إلا أنه مع الوقتِ أذعن مع رغبةِ المخيلةِ أن تجوبَ المدن, تغادرُ هيبةَ الصحراء وسطوتها وقسوتها وملمسها الرملي, سيصعدُ بالقطارِ لأولِ مرة, وسيجوبُ العاصمةَ التي يسمع عنها, ويسمعُ عن الملايين التي تزحفُ في الشوارعِ المعبدة, ضجيجُ السيارات, أصواتُ المنبهات, الباعةُ المتجولون, كلُّ هذه الافكارُ تدورُ في رأسهِ وهو يهيئ نفسه للفحصِ الطبي فقط.
حينما التحقَ بالكليةِ العسكريةِ بعد قبوله، بدأ يرسمُ لحياته من جديد، إذ أخذتْ حالة الجدية، وتوسعتْ مدياتُ الأحلام، ومنها تلك التي ترسختْ في ذاكرته، فلقد كان يعتبرها من المحالِ تحقيقها، فلن يخطفَ جميلةَ أحدُ منه، حتى وإن كان ابن عمها حميد الذي تقدم لخطبتها قبل أشهر وتم رفضه من قبلها، إلا أن الذكرياتِ لن تتوقف، لتوقفَ زحفَ ذلك الوجدُ على الرغمِ من التعبِ المضني من جراءِ التدريبِ المستمر، يتمنى أن يجدَ الإغفاءةَ السريعةَ كأقرانه، حتى وإن أعلنَ العريفُ الخفرِ بإطفاءِ الأنوارِ عند الساعةِ العاشرةِ من كلِّ ليلة، فالأحداثُ تتوالى عليه، إذ ترسمها المخيلةُ ويستجيبُ لها القلب وتعملُ بمقتضياتها الحواس، فيغادره النوم، فأبن عمها حميد سيخطفها منه.
- لا .. لا لن اقبل.
أخذ يأتلفُ مع الصمت، وفي الدواخل مرجلٌ يغلي، يزدادُ هديراً كلما تذكرَ كلماتها، وبأنها ستكون من نصيبِ ابن عمها وإن حاولتْ الرفض، فيتجمعُ شتاتُ الذاكرةِ حتى القديمةِ منها، والتي قد بنى عليها التراب ونسجتْ فوقها العناكب، يحاولُ أن يلجمَ الصوتَ الذي في دواخله، فلن يجلبَ له سوى الحزن، يتمتمُ بكلماتٍ لا يودُ سماعها، ويتحولُ إلى الصخبِ أحيانا، إلا أنه اختارَ الصمتَ كي يستمعَ إلى كلماتِها المفعمةِ بِالْحُبِّ البريء، يجدها تخترقُ قلبه، وتستقرُ في الشغاف، يضعُ يده على صدره كي يستشعرَ بوجودِ تلك الكلمات، يتلمسها بأنامله، فيسمعُ صوتها، صوتُ جميلة الذي لا يُخطِئه، يخترقُ حاجزَ ذلك الصمت.
- لا تتركني، أرجوك فلقد عزموا على زواجي منه وانتهى، فحميد أصبح شبحاً وقدرا.
تَهْتَزُّ أوصاله، ويتحول ذلك الصوتُ إلى هديرٍ عالٍ كالرعدِ، كالبرق، فيرتعشُ شوقاً، وتستثارُ نارُ الوجدِ المتوقدةِ ما بين الضلوع، وتزدادُ لحظاتُ القلقِ، وتجتاحه موجاتٌ من الحسرة، ويتحولُ الأسبوعُ إلى شهرٍ من تمددِ الوقت فيه، يحاولُ أن يسيطرَ على مشاعره، أن يقنعَ نفسه أن الخميسَ قادمٌ، إلا أن الصوتَ الذي بداخله ينذره بشؤمِ الأيامِ القادمة، ينذره بوئدِ أحلامه.
تنقطعُ أخبارُ جميلة، وتمرُ الأسابيعُ، والحزنُ الدقيقُ يرافقه إلى جبهةِ القتال، يحاولُ أن يتجاوزَ محطاته، لذا يجدُ نفسه يندفعُ كصولةِ الفارسِ اليافع، يرددُ لحنَ الموت على السواتر، والصوت الذي بداخله يناديه، يردد.
- متى ستكونُ النهاية؟ قفْ ولا تحاول.
لا يريدْ أن يفكرَ بمن في المقابر, بمن مزقوا اشلاء, بمن فقدوا, من رحلوا من الذاكرة, بأم تنتظرُ قدومه بكلِّ لهفة, فأحلامه تُحدثُ القلبَ.
- أنت لست سوى جسدٍ متهالكٍ.
يحاولُ أن ينسى, أن يثبتَ لنفسه بنفسه بأنه قادر على تجاوز الصعاب.
الأخبارُ كما توقع، فلقد وجدَ جميعَ رسائله قد جمعتْ في ظرفٍ أبيضٍ بحوافٍ وردية، وأودعتها أخته تحت وسادته، ذلك الظرفُ الذي يعرفه تماما، يحاولُ أن يفتحه إلا أنه يتردد، لا يريدْ أن يصعقَ بخبر زواجها على الرغمِ من تأكده من ذلك، يحتضنُ الوسادةَ، تسيلُ الدموعُ عليها، يكلمه ذلك الصوت.
- أنت ضابط, لا يصحُ أن تبكي.
ليجيبه وهو يتأفف.
- وهل الدموعُ ممنوعة؟ وهل القلبُ عليه أن يكون فارغاً من المشاعر؟
يمدُ يده وهي ترتجف، فالأمرُ قد حسم وانتهى، وعليه أن يتجاوزَ حالةَ الخوفِ التي أخذتْ تلازمه حينما يتعلقُ الأمرُ بجميلة، وأن يعتبرها كحالةِ خوفٍ آنيةٍ لبداية كلِّ هجومٍ معادٍ في السواترِ الأمامية، يفتحُ ذلك الظرفَ المزينَ بوردةٍ تبدو باهتةُ اللونِ في نظره، استجابة لذلك الوهن الذي أخذ يلازمه حينما يفكرُ بجميلة، جميعُ رسائله موجودة فيه، وورقةٌ بلونٍ أخضرٍ قد أرسلتها له، بخطِ يدها الذي يعرفه تماماً، تزدادُ دقاتُ قلبه، ترتعش يده.
- كلُّ شيءٍ قد انتهى، كنت أتمنى، ولكنها هي الأعراف، سأكون جسداً بلا روح، فروحي قد سبقتني إلى مثواي الأخير، هنالك تنتظر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة


المزيد.....




- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...
- مهرجان صيف حوران.. دعم ثقافي وتعافٍ للثقافة السورية
- قاآني في بغداد؟ تضارب الروايات يضع سلاح الفصائل في الواجهة
- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...
- بوتين يطلع على الاستعدادات لافتتاح مدرسة موسيقية جديدة في شر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العشقُ المستحيل