أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟















المزيد.....

قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 02:58
المحور: الادب والفن
    


في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر.
كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن المعركة خُسرت منذ اللحظة التي قرروا فيها خوضها، لكنه كان جندياً، والجندي لا يسأل عن النتائج، بل ينفذ.
حتى جاء الأمر، ليس عبر القنوات المباشرة كما تعود، بل كوشاح أسود عبر موجات الراديو الصغير الذي كان يهمس بالأخبار:
- حان موعد الانسحاب.
كان الصوت مبحوحاً، متقطعاً، كأنه يأتي من مكان بعيد. لكن الأوامر العسكرية لا تُطبق إلا إذا وصلت عبر مراجعه، لذلك انتظر. وعندما وصل الأمر بالاتصال الأرضي، كانت الكلمات غامضة تحمل بعض الشك:
- تجمعوا، احملوا اسلحتكم وما تستطيعون حمله من عتاد، وتوجهوا إلى مقر الفوج.
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، في ذلك اليوم البارد من عامٍ مضى منذ سنين. السماء، التي لم تكن صافية أصلاً، بل أصبحت سجناً من دخان أسود كثيف، اختلط بغبار المعركة ليحجب حتى ضوء النجوم. هدير الطائرات كان كالرعد الدائم، يعلن عن موت يترقب لحظة سانحة.
في مقر الفوج، التقى الضابط بآمره، فرأى في عينيه انعكاساً للنار التي كانت تلتهم الأفق. إذ قال آمر الفوج بصوت مجهَد:
- انسحبوا إلى المقر الخلفي، على بعد سبعين كيلومتراً شمالاً.
سأل الضابط آمره، وهو يحاول ترويض صوته:
- وبماذا نذهب؟
أجاب الآمر دون أن ينظر في عينيه، ثم مضى:
- سيراً على الأقدام.
كان جواباً لا يحتمل الجدل. فالضابط لم يتعلم في الأكاديمية كيف يناقش الأوامر، بل كيف ينفذها، حتى لو بدت كحلم مريض. لكن في داخله، كان سؤال يدور كالسهام:
- كيف لنا أن نقطع هذه المسافة ونحن أهداف سائرة؟
تجاهل السؤال، وأمر جنوده بالانطلاق. رغم كثرة الأسئلة التي أخذت تتوجه إليه، وهي أسئلة منطقية: ماذا نفعل بالأسلحة والعتاد وهذه المسافة؟
توجهوا إلى الشارع المبلط الوحيد، يحددون اتجاههم بالبوصلة، بعد أن ابتلعت النيران كل معالم الأرض. كان المشهد مهيباً في قسوته: مئات الجنود، كالأشباح، يسيرون بصمت، لا يكاد أحدهم يلتفت إلى الآخر. كانوا كقطع في لعبة خاسرة، يجرون أقدامهم عبر الرمال التي كانت تبتلع الخُطى. أخذوا يتباعدون فيما بينهم، كذلك بدأ يرى بعض الأسلحة والعتاد ملقاة على جانبي الطريق على وميض القصف الجوي العنيف.
كان صوت الطائرات يملأ الفراغ، يذكّرهم بأن السماء ليست لهم، وأن كل خطوة قد تكون الأخيرة.
وسط هذا التيه، وبعد أن انقطع الأمل في إمكانية قطع تلك المسافة، جلس الضابط على قارعة الطريق حتى بدت الرؤية أفضل، ربما اقترب ولد فجر جديد. حينها رأى عجلة عسكرية مهجورة، نصفها غارق في حفرة من الرمال. فكر في إمكانية الاستفادة منها، فتفقد المكان، واستعان بمجموعة من الجنود الذين كانوا يسيرون بلا هدف لإنقاذها. أخرجوها من الحفرة، وكانت صالحة للاستخدام، فاستغلوها واندفعوا بها شمالاً، إلى حيث المقر الخلفي.
لكن الفرحة لم تدم. فما إن سمعوا هدير محركات الطائرات يقترب، حتى كان عليهم التخلي عنها والاختباء في الرمال، يمسكون بالأرض كأنها آخر حصن. كانت الوحشة التي يشعر بها وهو يرى تلك العجلة ربما تصبح هدفاً، ثم يعودون إليها كالجثث التي تعود إلى الحياة، تتكرر تلك الحالة كل بضعة كيلومترات.
في إحدى تلك اللحظات، بينما كانوا متوارين تحت زمجرة طائرة، حدثته نفسه:
- هل تستحق هذه الرمال كل هذا الموت؟ ألسنا ننسحب من أرض لم نكن نحلم بها؟
كان يسمع دقات قلبه تغطي على الهدير أحياناً. ثم يتذكر وجه زوجته، التي لا تدري إن كان سيعود. لذا قال في داخله:
- أيتها الحرب، ماذا فعلت بنا؟ جئتنا قهراً، تاركين خلفنا دماء وذكريات، كأننا لم نكن هنا، كأننا كنا سراباً.
عندما وصلوا أخيراً إلى المقر الخلفي بعد ساعات طوال، لم يجدوا سوى المزيد من الفوضى. كانت الدبابات تحترق كشموع ضخمة، والعجلات المقلوبة تزين الصحراء كأحجار نرد منحوسة.
هنا، علم الضابط أن الأوامر قد سبقتهم؛ فالكل ينسحب، والكل يهرب إلى حيث النجاة من مصير مجهول.لذا سأل أحد الضباط هناك بنبرة مذعورة:
- أين المكان الخلف؟ هل بعد هذا؟
لم يجب أحد. انقطعت الاتصالات تماماً، وكأن العالم قد أُغلق عليه، عندها أدرك الحقيقة المريرة: لم تكن هذه معركة، بل كانت مسرحية عبثية. الخسارة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت خسارة الإيمان بمعنى أي شيء. فلم يكن هناك خط دفاع، ولا هدف، ولا أمل، سوى الرمال التي لا تنتهي، والتي كانت تلتهم كل شيء: الدبابات، والجنود، والأحلام.
جلس الضابط منهكاً، مشدوداً إلى الأرض التي تئن تحته. وفجأة، سمع هدير طائرة يقترب، لم يعد لديه طاقة للاختباء، شعر بأن عقارب الساعة قد توقفت، وأن النهاية هي هذا الصوت المتصاعد.
تمسك بالرمل، وكانت حباته تتحسس وجهه، وقال في همس، كمناجاة عاشق:
- يا أرض، لم نأتِ بإرادتنا. كنا جنوداً في وهم، وأوامرنا تأتي من حيث لا نرى. احتفظي بدمي، لا تتركيه يضيع في هذا الفراغ. أنا هنا، بلا حول ولا قوة، أسألك أن تكوني قبري، لا شاهداً على هزيمتي.
ظل هكذا، عيناه مغمضتان، ينتظر. وعندما فتحهما، كانت الطائرة قد ابتعدت، لكن الصمت الذي خلفته كان أثقل من ألف قنبلة.
وقف، لا يدري إن كان قد نجا أم أنه مات. نظر حوله، فرأى عشرات الجنود؛ بعضهم جثث، وبعضهم يجرون خطاهم نحو اللاشيء.
هنا، وجد نفسه وحيداً في وسط تلك الرمال، فأدرك أن الخوف الحقيقي ليس في الموت، بل في أن تظل حياً، ولا تعرف إلى أين تمضي.
في خضم ذلك، سمع في البعيد صوتاً خافتاً، كأنه بكاء امرأة، أو صرخة طفل، أو استغاثة جندي بُترت ساقاه. لم يكد يلتفت حتى اختلط الصوت بهدير آخر للطائرات، أغمض عينيه. ظل للحظات لا يعرف أيسمع أصواتاً حقيقية أم أن الحرب تركت في رأسه ما يكفي من الضجيج كي لا يعود قادراً على التمييز بين ما يحدث وما يتخيله.
مد يده إلى جيبه، وأخرج البوصلة. حدق في إبرتها طويلاً، كانت ترتجف. دارت قليلاً، ثم توقفت لحظة، قبل أن تعود إلى الدوران من جديد.
رفع الضابط رأسه إلى السماء، كان الدخان الأسود يغطي المكان ويحجب كل شيء. نظر خلفه، فإذا بالرمال قد محَت آثار الذين سبقوه. ونظر أمامه، فإذا بالريح تصنع دوامات في الرمل، ثم تهدأ.
لم يعد يعرف أين الشمال، ولا أين الجنوب، ولا إن كان ما يسمونه المكان الخلفي موجود حقاً، أم أن الجميع صاروا في المكان نفسه، يهربون من شيء لا يعرفون اسمه.
وقف ببطء، ونفض الرمل عن ملابسه، ثم مد يده إلى الأمام ومشى. لم يكن يعرف إن كان يتجه إلى الخلف أم إلى الأمام، ولا إن كان الطريق الذي يسلكه يقوده إلى النجاة أم إلى حرب أخرى. خلفه كانت الرمال تمحو آثار أقدامه، وأمامه كانت الريح تصنع دوامات جديدة ثم تختفي.
توقف لحظة وأصغى. لم يسمع سوى وقع خطواته، ثم تابع السير، بينما ظلت إبرة البوصلة تدور في يده، كأنها تبحث عن جهة لم تعد موجودة. وفي عتمة الدخان الكثيف ظل السؤال معلقاً فوق الصحراء:
"إلى أين نمضي؟"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا


المزيد.....




- بمشاركة عربية.. انطلاق مهرجان أوركسترا الشباب العالمي الرابع ...
- -الرحمة-.. صبا مبارك وباسم ياخور وقيس الشيخ نجيب في مواجهة ا ...
- سبع حقائق عن -قلب الشيشان-.. أحد أبرز مساجد القوقاز الروسي ( ...
- 8.2 مليون روبل لدعم 7 مشاريع إبداعية في كبردينو - بلقاريا
- فنان مصري مشهور يطلب التوبة.. ودار الإفتاء توجه رسالة
- أكشاك الكتب في عمّان.. حين تحفظ الأرصفة ذاكرة المدينة
- فنان يُدخل معالم الشارقة إلى عالم -باتمان- بالذكاء الاصطناعي ...
- غزة وذاكرة الحرب.. أفلام عالمية في الدورة التاسعة من الجونة ...
- مهرجان -كوروتشي- السينمائي ينطلق في كالينينغراد بطابع دولي ل ...
- -سيبيريا-.. توبولسك تستضيف أول مهرجان للموسيقى التقليدية لشع ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟