أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى















المزيد.....

قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 02:57
المحور: الادب والفن
    


عند هبوطِ الليل، بعدما تنسابُ الشمسُ خلف التلالِ مهرولةً نحو الغروب، وقبل أن يحتلَ النورُ المكان، غالبا ما يساوره إحساسٌ غريب، خلّفه سرابُ العمرِ الذي انقضى, الذي ناهزَ الأربعةَ والخمسين من الأعوام، فرائحةُ ذلك الخوفِ من الظلمةِ تتسللُ إليه، فتعيد نفوره من الأشياءِ كلِّها، رغم مرورِ السنينِ على حادثةِ انفصالِ الوالدين، فلم يعد يشاهد والدته وهي تملأ البيتَ حناناً في ذلك الفضاءِ الذي كان يحتويه، ووالدٌ كان حضوره كالنزيلِ الدائمِ في فندق، يعودُ كي يرتاحَ فقط، يغلقُ بابَ غرفتهِ ويغطُ في نومٍ عميق، ثم يغادرُ بلهفةٍ بعدما يغتسلُ ويطالعُ هيئته بالمرآةِ طويلا، ومن ثم زواجه المفاجئ، فانعدمَ الترابطُ الروحي منذ ذلك الحين، لذا بدأ صالح يحاولُ أن يتجاهلَ ذلك الإحساس، يشدُ نفسه في طريقِ اللامبالاة, علّه يتحررُ من تلك القيودِ كلِّها التي تربطه بالعالمِ الواقعي، يدركُ أنَّ الطفولةَ تحتاجُ إلى الأمانِ كما الطعامِ والاهتمام، فلقد كان يعتقدُ أنه قد تمكن من انتزاعِ تلك الفترةِ من تأريخه وأودعها بعيدا في زاويةٍ من زوايا ذاكرته، إلا أنه قد تبين عكس ذلك، فكيف له أن يقفَ بصلابةٍ اتجاه خطرِ شبحِ تلك السنين، وبمزاجه المعتلِ يقاوم السقوط.
يعودُ مع ذاته، متّبعا أثر النداء، فيذهبُ مكبلاً معها إلى تلك السنين، إذ رسمت زوجةُ والده ابتسامةً ملتوية، توحي بما يدورُ في عقلها من تخطيط، يصغي إلى دواخله، فيدركُ ما يجري رغم حداثة سنه، وتنقبضُ أمعاؤه على فترات، تعكسُ مدى القلقِ الذي بدأ يداهمه، ولم يكن يساوره الظنُ أنها بدايةُ الرحيل، وبدايةُ تعلمه أبجديةَ الجوع، ومما يزيد ذلك أكثر، ارتداءها ملابساً زاهيةً وتضعُ أحمرَ الشفاه، لتؤكد بأنَّ تلك الليلةَ لن تمرَ عليهم بسلام، فالصمتُ غيّبَ الكلام، ويضاعفُ من ذلك الخوف، صدى الهمسِ مع الوالدِ في أجنحةِ الظلام, والنظراتُ التي تحومُ حولهم بين فترةٍ وأخرى في وضحِ النهار، فترتسمُ الحواجزُ وتكبرُ مع توالي الأيام، حاولَ أن يجدَ الأعذار، أن يقفَ خارجَ حدودِ الزمنِ ويُفهمُ نفسه أنه ليس على صواب، إلا أنَّ التوتراتِ بدت واضحة، فبدا كلُّ شيءٍ أمامه ينهار "هذا ما كان يعوزُ الأيام" يسمعُ صوتها يرتفعُ متوعدة، رغم أنَّ بابَ الغرفةِ محكمُ الإغلاق، لا شيءٌ سيوقفُ هذا العذاب، ومع متاهةِ التكرارِ يقفُ أمامَ أسوارِ المجهول، وقلبه غاضبٌ بنبضِ مسموع، وحينما ستخرجُ تتحولُ نبرةُ صوتِها أقرب إلى السخرية، أقرب إلى الوعيد، وتعليقٌ مبطنٌ يشعره بوخزٍ مفاجئٍ يؤكدُ تلك الشكوك.
أشرقت الشمسُ أخيرا وأزاحت عتمةَ الغرفة، يشعرُ بوجودِ تلك الأشعةِ قبل أن يتمكن من أن يفتح عينيه من طولِ السهر، فيتخيلُ بفرحٍ عارمٍ صدى صوتِ والدته وهي تدعوه إلى فطورِ الصباح، إلا أنه وحينما تمكن من إزالةِ آثارِ النعاسِ بصعوبة، وجد نفسه ممدداً على فراشٍ بسيطٍ عند مدخلِ الغرفةِ الطينيةِ مع إخوانه الذين يكبرونه، في الليلةِ الأولى لهم بعد الانتقالِ الأخير، تلك الغرفةُ الوحيدةُ في أطرافِ القريةِ مرفقةٌ بمطبخِ صغير، لذا أيقن بأنَّ هاجسه المتشائمِ قد تحقق، وأنه سيكون في حضنِ الغياب، وبدت تتصارعُ الأسئلةُ في صمت, ثم أخذ يرتعشُ واهتاجت نبضاتُ قلبه عندما أدرك بما في هذه الحياةِ من خوفٍ وإهمال، فتصاعدَ الخوفُ في أعماقه بعدما بدأ الشكُ يراوده بأنَّ الوالدَ قد تبرأ منهم في صمت، وصوتُ زوجته عاد ليرنَ صداه في أذنيه، وبدأت أفكاره تتشتت، وتعالى صدى صوتِ الأسئلةِ في رأسه، كاد يجهشُ بالبكاءِ لولا مناداة أخته الكبيرة، فلم يعد يرفض لخياله أن يمده في بدأ الصراخ، لذا أخذ يصدرُ تهديداً أجوفاً في دواخله، فيهربُ مع غضبه وهو يرتدي دشداشَته المقلمةَ نحو الصخرةِ قرب ما يسمى بالدار، لم يمنعه عويلُ الريح، يتكئ على الجدار، علّه يكبحُ جماحَ حاجته إلى الأمان، وربما تلقفته مخالبُ الهذيان.
يزورهم الوالدُ بملابسه الفاخرةِ في أوقاتٍ متباعدة، يقفُ في وسطِ الغرفة، يتحدثُ عن العدلِ والإيثار، فتخرجُ الكلماتُ هادئةً مشفعةً بالبراءةِ ويخشى التقصير، وحباتُ مسبحته المذهبةِ يتوالى نزولها من بين الأناملِ مع حركةِ الشفاه "فقط عليكم الانتظار" ويوثقها بشهودٍ من السماء، لم يُذكرْهم قط بعدم الخوضِ في البركةِ حفاة الأقدام، ولا الخشيةُ من الغرقِ في وسطِ النهرِ حينما يشتدُ لهيبُ ريحِ الصيف، راحَ صالح يرددُ كلماتِ والده مع نفسه عسى أن يعي مغزاها، فلم يدركْ فحواها، إلا حينما دققَ النظرَ في وسطِ حدقاتِ عينية، فأيقن بأنها بلا ادنى شك تعطي معنى آخر.
ما زال حينما يأكلُ يتذكرُ ذلك الجوعَ المفترس، تخرجُ تلك الذكرى من صليلِ المخ، وحينما تظلمُ الدنيا يتضاعفُ ذلك الخوف، فينطلقُ مع عنان مخيلته، يستمعُ إلى أصواتِ خطواته وهي تضربُ الأرضَ في رأسه، قبل أن يطرقَ الأبواب، أصواتٌ تعكسُ ذلك الخجلَ الفطري والترددَ الذي كان يعاني منهما, تغيظه صدى تلك الأصوات الذي بدأت تصله من أشباح أخذت تتشكل في بداية العتمة، سنونٌ مرت والكلماتُ النابيةُ تداهمه فجأة من دون سابقةِ إنذار، فيفترشها على أرضِ الواقعِ الحالي، ليجدَ أحفادَهم يتكلمون عن التأريخِ المشرقِ لأجدادِهم في الكرمِ وإغاثةِ الملهوف، فيتصنعُ ابتسامةً خشيةَ النسيان، يجتاحهُ سيلٌ من الأسئلةِ التي بدت تؤرقه "ما فائدةُ مديحُ الأشخاصِ ما دام كان يعاني من الجوع، ما فائدةُ الشوارع، البيوت، وحتى فرحَ الأطفالِ عند تسلقِ الصخرةِ في محاولةٍ لفكِ رموزِ كتابته" صالح كان هنا" ترى هل كان أحدٌ يعلم بوجوده؟ ففي الليلِ البهيمِ كان يستمعُ إلى أصواتٍ مرعبةٍ تأتيه من أمكنةٍ بعيدة، لم يجدْ من يخففَ عنه تلك الرهبة، ولم يلتمسْ من والده حناناً يمكنه اللجوء إليه.
يخيلُ له أنه يتكلمُ مع شخصٍ آخرٍ في دواخله، لم يكن يشعرُ بوجوده في السابق، يحاولُ أن يخففَ عنه وحدته "كفاك من هذا الهذيان" إلا أنَّ ذلك لم ينفع، فذاكرته تؤكدُ له بأنه شخصٌ مهمل، ولم يكنْ منتمياً إلى تلك الفترة، فتزرعُ في نفسه الشكوك، إذ كان يشعرُ بالنقصِ في مشيته في الطريقِ الترابي، في ملابسه، كأنما حضرَ من أسلافٍ غارقةٍ في القدم، ليس له علاقةً بحاضره، فلم يتأقلمْ ولم يتشبثْ في أن يستمرَ في الوجود، ولِمَ الوجودُ بهذه الكيفية، فلا داعي لمعرفةِ الأسرارِ خلف الأبوابِ المؤصدة ما دام لن يحصلَ على الطعام، طفلٌ ببشرةٍ سمراءٍ وشعرٍ مجعد، حتى الهيئةِ تجعلُ القلوبَ تبتعدُ عن تقبله، يحاولُ أن يُفهمَ نفسه بأنَّ من يحيطون به كانوا ودودين معه، فغالبا ما يدركُ متأخراً بعد فواتِ الأوان، والردودُ المقتضبةُ والوجوهُ التي كانت ترتسمُ في ملامحها لهما معنى واحد لا حيود عنه وهو الرفض، وصدى صوتِ نداءِ الأمعاءِ يجبره على عدمِ التمرنِ على النسيان، لم يدعْ لديهم الشبعُ ذكرى مع الجوع، فيعتلجُ صدره رغم ابتعاده عن تلك السنين.
يدورُ في رأسه ذلك الفزعُ الشرسُ بعدما أخفقَ من التحررِ من ذلك الهاجس، ويفيقُ من حلمه المتكرر وهو يسمعُ نهايةَ صرخته الواهنةِ وقلبه يزداد خفقانا، وخوفٌ من تحولِ أبنائه إلى ما لا يرغبه, ينتابه حزنٌ عميقٌ حينما تحضرُ كلماتُ والده وكانت هي الأخيرة في حياته" فقط عليكم الانتظار" فيتمالكه القلقٌ، شيءٌ يحسُ به ولا يريدُ الإفصاحَ عنه، فمن انتظر تلك السنين من عمره كلِّها، تحت دثارِ السماءِ وجوعِ البطن, يتبعُ نداءاتٍ خفية" لا تتركهم على قارعةِ الطرق" لم يتوانْ في أن يشهرَ سيفه ويقاتلَ مسالكَ العوزِ كلِّها، كي لا تعاود المكوثَ مع فلذاتِ كبده، حتى وإن خُيّلَ إليهم وقد جفت عواطفه، فسيحاولُ أن يبقيهم خارجَ نطاقِ الزمن، وإن لم يتمكن من دفنِ تلك الرقةِ ما بين الثنايا في لحظاتِ الحضورِ الحتمي لتدفقِ الدموع، رغم أنَّ الخوفَ والحزمَ أخذا يتداخلان، الخوفُ على الأبناء، والحزمُ على الصدقِ والإيثار، وإن حضرتْ تلك العاطفةُ الجياشةُ إلا أنه ما زال ينبههم على الأشياءِ الصغيرةِ خشيةَ أن تكبر، عسى أن يعتقَ خطاه، فثمةُ نسيانٍ ربما سينتظره في نهايةِ المطاف.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير


المزيد.....




- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة
- فرقة موسيقى الميتال -ديمون هانتر- ترفع دعوى قضائية ضد نتفليك ...
- في -عش العُقاب-.. رحلة إلى قلعة أَلَموت معقل -الحشاشين- الحص ...
- بعد 15 عاما من الغياب.. -عودة الأصالة- من قلب دمشق
- ريدلي سكوت يبحث عن الأمل بعد نهاية العالم في فيلم -نجوم الكل ...
- من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ ...
- بمشاركة عربية.. انطلاق مهرجان أوركسترا الشباب العالمي الرابع ...
- -الرحمة-.. صبا مبارك وباسم ياخور وقيس الشيخ نجيب في مواجهة ا ...
- سبع حقائق عن -قلب الشيشان-.. أحد أبرز مساجد القوقاز الروسي ( ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى