أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ الذكريات للكاتب سطام عزاوي الشلال (الجزء الثاني)















المزيد.....

الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ الذكريات للكاتب سطام عزاوي الشلال (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 01:26
المحور: الادب والفن
    


وفي مرحلة الدراسة الثانوية، تتسع دائرة الذاكرة لتدخل مرحلة أكثر وعياً؛ مرحلة مغادرة الأهل، والعيش عند الأقارب، أو استئجار غرفة بسيطة في قضاء الشرقاط. هناك، كانت المذاكرة تسبق المساء في بساتين الشيوخ، ذلك البستان الواسع الذي ترويه ماكينة ديزل كبيرة، وكان يتحول في ذاكرة الطالب إلى رحم علمي يضج بالهمس وحركات الأصابع على الكتب.
إن المكان هنا يتحول مرة أخرى إلى شريك في صناعة الإنسان. فالبستان ليس خلفية محايدة للمذاكرة، بل فضاء تتداخل فيه الطبيعة مع المعرفة. صوت الماكينة، ورائحة الأشجار، وحركة الماء، والكتاب المفتوح، كلها تفاصيل تتجمع لتصنع مشهداً لا يستطيع الزمن محوه بسهولة.
وفي هذا السياق يمكن استحضار رؤية هنري برغسون للذاكرة، إذ يرى أن الماضي لا يختفي اختفاءً تاماً، بل يظل محفوظاً في أعماق الوعي، ويستعيد الإنسان منه ما يتصل بحاجته الراهنة. وبذلك فإن استدعاء الماضي ليس فعلاً آلياً، وإنما هو إعادة تشكيل للخبرة من منظور الحاضر.
وهذا تحديداً ما يجعل تأملات من شواطئ الذكريات نصاً تأملياً؛ فالكاتب لا يكتفي بأن يقول لنا كيف كانت الحياة، وإنما يدفعنا، من خلال ما يتذكره، إلى التساؤل: ماذا خسرنا حين تغيرت الحياة؟ وماذا بقي منها؟ وهل يمكن للإنسان أن يدخل المستقبل إذا قطع الصلة تماماً بماضيه؟
إن الكتاب يختزل الكثير من كنوز التراث: من الغناء الريفي، والربابة، والناي، إلى مشاهد الرعي في البساط الأخضر، وذكريات المقلاع، والجراد الذي كان يغزو المحاصيل في نهاية الربيع. ويحمل بين طياته مشاهد الخريف، والأطفال الذين يرتدون الدشاديش المخططة، ونسيم الشتاء البارد، ورائحة الخبز التي تملأ الأرجاء.
هذه التفاصيل تبدو للوهلة الأولى صغيرة، لكنها في مجموعها ترسم خريطة ثقافية لمجتمع كامل. فالثقافة لا توجد فقط في الكتب والمؤسسات، وإنما توجد في طريقة الناس في الكلام، وفي أغانيهم، وأدواتهم، وملابسهم، وطعامهم، وألعاب أطفالهم، وعلاقاتهم، وفي طريقة استقبالهم للضيف ومشاركتهم في الحزن والفرح.
ومن هنا فإن توثيق مثل هذه التفاصيل يصبح فعلاً ثقافياً يتجاوز الحنين. فالحنين وحده قد يجعل الماضي جميلاً بصورة مبالغ فيها، أما الكتابة التأملية الناضجة فتجعل من الماضي مادة للفهم. إنها لا تسأل فقط: كيف كنا؟»، بل تسأل أيضاً: لماذا كنا هكذا؟ وما الذي جعل تلك القيم ممكنة؟ وما الذي ينبغي أن نحفظه منها في حاضرنا؟
إن هذه الأسئلة تجعل الكتاب أقرب إلى شهادة وجود. فالكاتب لا يوثق حياة شخصية فحسب، بل يوثق تحولات مجتمع كان يعيش وفق إيقاع مختلف؛ إيقاع الأرض والماء والعمل والمواسم والقطار والمدرسة والحكاية.
وهكذا، يصبح دجلة في الكتاب أكثر من نهر. إنه شاهد على الزمن. مرّ أمام القرية جيلاً بعد جيل، حمل القوارب، وسقى الأرض، وشهد الرحلات، واحتفظ بأسرار الذين عبروا ضفتيه. ولذلك فإن استحضاره لا يخلو من دلالة رمزية؛ فالماء يمضي ولا يعود إلى الموضع نفسه، لكن أثره يبقى في الأرض. وكذلك الإنسان: يمضي في الزمن، غير أن أثره يمكن أن يبقى إذا امتلك القدرة على تحويل التجربة إلى ذاكرة مكتوبة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العنوان تأملات من شواطئ الذكريات؛ فالشاطئ هو المكان الذي يقف فيه الإنسان أمام الماء المتحرك، يرى ما يمضي أمام عينيه ولا يستطيع إيقافه. والذاكرة تشبه هذا الشاطئ: نقف عندها ونحن نرى الزمن يعبر أمامنا، نمد أيدينا إلى ما مضى فلا نمسكه، لكننا نستطيع أن نحتفظ بأثره في اللغة.
لذلك فإن الكتابة تصبح هنا نوعاً من مقاومة الفناء. فالأشياء التي لا تُكتب معرضة لأن تختفي مع أصحابها، والأسماء التي لا تُحفظ قد تمحوها السنوات، والأغاني التي لا تجد من يرددها قد تصمت، والحكايات التي لا تنتقل من جيل إلى آخر قد تتحول إلى فراغ.
ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ لأنه يمنح الذاكرة شكلاً قابلاً للانتقال. فالكاتب لا يحتفظ بذكرياته لنفسه، وإنما يضعها أمام القارئ، لتتحول التجربة الفردية إلى ذاكرة مشتركة.
إن تأملات من شواطئ الذكريات يضعنا أمام حقيقة إنسانية عميقة: أن الوطن ليس دائماً خارطة وحدوداً ومؤسسات، وإنما قد يكون بيتاً طينياً، وشجرة، وحقلاً، ومدرسة، وصوت أم، وحكاية جدّة، ونهراً نعبره في الصباح ثم نعود إليه في المساء. وقد يصبح الوطن في لحظة ما مجرد رائحة تستيقظ في الذاكرة، أو صوتاً قديماً نسمعه في داخلنا فنشعر أننا عدنا إلى المكان الذي غادرناه منذ سنوات.
وهنا تتحول الذاكرة إلى وطن بديل؛ وطن لا تستطيع الجغرافيا أن تنتزعه، ولا يستطيع الزمن أن يهدمه. فحين يتغير المكان ويبقى أثره في الوجدان، يصبح الإنسان حاملاً لمكانه أينما ذهب. ولهذا ربما لا تكون المسافة بين الإنسان ووطنه هي المسافة الجغرافية دائماً؛ فقد يكون أقرب الناس إلى وطنه هو من يحتفظ بتفاصيله، ويحفظ أسماء أهله، ويصون أغانيه، ويكتب حكاياته.
وهكذا يظل كتاب تأملات من شواطئ الذكريات أكثر من مجرد عمل توثيقي؛ إنه شهادة وجود، ونافذة على عالم كان ولا يزال يمثل عمقاً مهماً من هوية هذا الوطن. وهو في جوهره محاولة للوقوف على شاطئ الزمن، لا لاستعادة الماء الذي مضى، وإنما لاستعادة المعنى الذي تركه الماء في الذاكرة.
وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتغير أنماط العيش، وتتراجع كثير من صور الاجتماع القديم أمام الفردية والعزلة، يصبح توثيق الذكريات ضرورة ثقافية وأخلاقية، وفعل مقاومة ضد النسيان الذي يلتهم أجزاءً من ذواتنا الجمعية. فليس الخطر في أن يتغير الماضي؛ فالتغير قانون الحياة، وإنما الخطر في أن يختفي الماضي دون أن نفهمه، وأن تضيع معه القيم التي كان يمكن أن تظل صالحة للمستقبل.
ولعل أجمل ما يمكن أن تنتهي إليه هذه القراءة أن الإنسان لا يستطيع أن يختار بدايته، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل بها. يستطيع أن يتركها خلفه كشيء انقضى، أو يحملها معه بوصفها مصدراً لفهم ذاته. وقد اختار الأستاذ سطام عزاوي الشلال أن يحمل بداياته إلى الكتابة، وأن يمنح قريته وأهله ونهره وطفولته فرصة أخرى للحياة.
فالماضي، حين يُكتب بصدق، لا يعود ماضياً خالصاً؛ يصبح جزءاً من الحاضر، وربما يتحول إلى بوصلة للمستقبل. والذاكرة حين تتحول إلى كتابة لا تعود ملكاً لصاحبها وحده، وإنما تصبح ملكاً لكل من يجد في تفاصيلها شيئاً من نفسه.
لقد حفظ الكاتب شواطئه في الكلمات، وحفظ دجلة في الذاكرة، وحفظ القرية في الكتاب؛ ولذلك لم يعد المكان مجرد مكان، ولم تعد الذكرى مجرد ذكرى. لقد تحولت التجربة إلى أثر، والأثر إلى كتابة، والكتابة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وطن.
فالأمم لا تحفظ ذاكرتها لأنها تعشق الماضي، بل لأنها تعرف أن الإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءاً من تعريفه لنفسه. وفي هذا المعنى، تصبح الكتابة عن الذاكرة فعلاً من أفعال البقاء؛ إذ إن ما يُكتب بصدق يستطيع أن يعبر الزمن، وأن يمنح الذين سيأتون بعدنا فرصة لأن يعرفوا أن هنا، ذات يوم، كانت قرية، وكان نهر، وكان بيت طيني، وكانت حكاية، وكان أناس يحبون الحياة رغم قسوتها.
وهكذا تصبح الذاكرة، في نهاية المطاف، وطناً آخر؛ وطناً لا تحده الخرائط، ولا تهدمه السنوات، ولا يستطيع النسيان أن يطفئ أنواره ما دامت هناك يد تمسك بالقلم، وقلب يعرف أن ما مضى ليس مجرد زمن انقضى، بل جذور ما نحن عليه الآن.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت


المزيد.....




- مقابر جماعية وتماثيل نذرية.. تفاصيل كشف أثري مهم في الواحات ...
- -هُرّبت منذ 15 عاما-.. سوريا تستعيد قطعا أثرية من فرنسا وتعر ...
- شاهدة على مقاومة المحتل الفرنسي.. اكتشاف رصاصات في مئذنة جام ...
- من التوبيخ إلى قمة النجاح.. كيف صنعت الممثلة ريهام عبد الغفو ...
- كولومبيا: عاملون في السينما يسخرون معداتهم للبحث عن ناجين
- أفلام تستعيد معارك الحرب العالمية الثانية في ذكرى ميلاد الما ...
- متحف تفاعلي في موسكو يتيح للزوار اكتشاف أسرار صناعة الشوكولا ...
- البيطريين: اللجنة الثقافية تطلق أولى لقاءات “?اراندة النيل” ...
- -الموسيقى حبي الأول-.. أنتوني هوبكنز يعود إلى التأليف بألبوم ...
- فساد بايدن.. وثائق أمريكية تكشف أدوات -الدولة العميقة- لنشر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ الذكريات للكاتب سطام عزاوي الشلال (الجزء الثاني)