أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العهد














المزيد.....

قصة قصيرة: العهد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 11:59
المحور: الادب والفن
    


تزاحمت أفكاره في مساءٍ أنهكه السفر، كأن الطريق لم يكن على الأرض وحدها، بل كان داخله أيضاً؛ جسدٌ يمضي ونفسٌ تتشظّى في كل اتجاه. كلما ظنّ أنه أمسك بخيط فكرةٍ مستقرة، أفلتت منه لتولد أخرى أكثر قسوة وريبة، كأن ذهنه لا يعرف الاستقرار، بل يعيش في حالة دائمة من الترحال الداخلي.
يحاول أن يطرد الشكوك، أن يستدعي الثقة من أعماقٍ منهكة، وأن يتشبث بفكرةٍ رصينة يمكن أن تطمئنه، لكنها لا تلبث أن تتبخر، كأنها لم تكن. تتغير مسارات التفكير لديه كما تتغير الرياح في صحراء مفتوحة، بلا بوصلة، بلا يقين، وكأنه يسير في داخله لا في خارجه.
فكرة سيئة عن شخصٍ ما تداهمه فجأة، تترسخ كظلٍّ ثقيل، غير أنّها تتلاشى حين يقترب منه ذلك الشخص، وكأن الواقع يكذّب الوهم لحظة المواجهة. لكن ما إن يبتعد حتى تعود الأفكار ذاتها، أكثر إلحاحاً، أكثر ضجيجاً، وكأن البعد هو الذي يوقظها لا الحقيقة.
يتسلل إليه الخوف من الظلم، ومن ثقل الضمير، ومن ذلك التوتر الخفي بين ما يظنه وما يجب أن يكون. يقلب أفكاره كما يقلب إنسانٌ حجارةً في أرضٍ مجهولة، علّه يعثر على ما يطمئنه، لكنّه لا يجد سوى مزيدٍ من الأصداء المقلقة، كأن داخله ممتلئ بوجوهٍ من الرعب القديم الذي لم يُدفن جيداً.
يحاول أن يهدّئ نفسه بحركةٍ متكررة: يضغط كفيه معاً، يمدّ أصابعه المتلاصقة إلى الأمام، ثم يسحبها ببطء إلى الداخل والخارج، كأنه يبحث عن توازنٍ في الجسد حين يضيع في الفكر. يشعر للحظات أن شيئاً من الاستقرار يتشكل بين أطرافه، طبقة رقيقة من سكونٍ عابر، ثم لا يلبث أن يسند رأسه على كفه الأيسر، كمن يستسلم لثقلٍ لا يُرى.
يحدّث نفسه بصوتٍ داخلي متردد، كأنه لا يثق حتى في يقينه:
"أفكارٌ كثيرة، بعضها يقترب من الصواب، وبعضها يوشك أن يلامس العبث"،
يستلقي على فراشه، لا لينام، بل ليهرب من نفسه. يتعب الجسد، لكن الذهن يظل يقظاً، كحارسٍ لا ينام. ثم يغلبه النوم أخيراً، لا كنجاة، بل كاستسلامٍ مؤقت، فيغرق في ظلمةٍ ثقيلة.
وفي الحلم، يجد نفسه يطير في فضاءٍ واسع، ينتقل من مكانٍ إلى آخر، ومن مجلسٍ إلى مجلس، كأنه تحرر من قيد الضمير لحظةً واحدة. الوجوه التي يراها تبدو في البداية بريئة، خالية من الإثم، كأن العالم كله قد اغتسل من خطاياه.
لكن شيئاً ما يختلّ في المشهد… الوجوه تتكرر. الأشخاص أنفسهم يظهرون في كل مجلس، في اللحظة ذاتها، بالهندام ذاته، بالابتسامة ذاتها، وكأن الزمن نفسه فقد قدرته على الاختلاف.
"كيف يحدث هذا؟" يتمتم في دهشةٍ مشوبة بالريبة.
المتحدثون يتغيرون، لكن الصوت واحد، والنبرة واحدة، والوعود ذاتها تتكرر كأنها محفوظة سلفاً في ذاكرةٍ جماعية لا تنسى شيئاً ولا تعني شيئاً. يحاول أن يلتقط اختلافاً، أي علامة على صدقٍ مفقود، لكن كل ما حوله يبدو متواطئاً على التشابه.
يتقدم نحوهم، صوته يرتجف لكنه يحاول أن يبدو ثابتاً:
-يا سادة… اسمعوني، فالوعد دينٌ غير مدفوع.
لكن الرد يأتيه صمتاً كثيفاً، صمتاً فيه ما يشبه الازدراء غير المعلن. يتراجع لحظة، ثم يستقيم في داخله شيء من الكبرياء، فينتقل إلى مجلسٍ آخر، ثم آخر… غير أنّه في كل مرة يكتشف الحقيقة ذاتها: لا أحد يراه أصلاً.
ثم يصرخ، لا في الخارج بل في عمق الحلم:
- لا بد لكم أن تسمعوني… فالكلمة عهد، ومن لا يحترم وعده لا يحترم ذاته.
وفي لحظةٍ مفاجئة، ينكسر المشهد كما ينكسر زجاجٌ رقيق. يستيقظ على صوت هاتفه، كأن الواقع يعيده فجأة إلى سطحه الأول.
يجلس للحظة صامتاً، ثم يردد بصوتٍ خافتٍ لكنه حاسم، كأنه يحاول تثبيت ما تبقى من المعنى:
- الكلمة عهد… الكلمة عهد…



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق


المزيد.....




- -خيوط مصر-.. القاهرة توطد العلاقات مع موسكو
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...
- التعليم العالى: مجلس جامعة بنها الأهلية يوافق على دراسة جدوى ...
- كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
- دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر ...
- إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
- بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط ...
- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...
- قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العهد