أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)














المزيد.....

قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 02:42
المحور: الادب والفن
    


يطيرُ شوقاً إلى ذلك الغروب خلف التلال، خلف سراب الأماني، ينسجُ في الخيالِ حكاياتٍ عسى أن تُخرجَ ذلك اَلسِّرّ المكنون، جراحاتُ القلبِ المثلوم، أوجاع الحروب، صوتُ الثكالى، صوتُ العاشقين، وعسى أن يُلقي بتلك الجراحاتِ خلف شواطئ الأمنياتِ، يبحثُ عن ذلك القلبِ كي تناجيه، عن فرحةٍ مسروقةٍ من عيونِ التائهين في دروب العشق والوله، يطيرُ حتى لو كانتْ بأجنحةٍ من ورقٍ، بزورقٍ متهالكٍ، بشراعٍ ممزق، إلى المجهول، إلى اللاهدف، والحاضر يعصف بالأماني.
لا يوجدُ سبيلٌ لإيقاف سيلَ اطيافِ ذكرياته معها وهي تمر, تضغط على الجمجمةِ, تحاولُ مغادرةَ سجنِ الواقع, فيلتهبُ الواقعُ من الخيبة.
- إني ابتليتُ بدمعٍ، إن رأى طيفاً لكِ، ينهمرُ مدراراً، فكيف أوقفه إن طالَ هجراني؟.
يتمنى هاني لو أنه يمتلكَ أجنحةَ طيور، كي يبتعدَ متى احتاجَ إلى ذلك، للهروبِ من تلك الأحزانِ والأحلامِ الضائعةِ، ولا يلتفتَ إلى الخلفِ، خشيةً من أن يُبصرَ الأمس، ذلك الحزنِ الدفينِ، والأيامَ الضائعاتِ، دخانُ اليأسِ المنبعثُ منها، وخشية أن يكتشفَ بأن لها أجنحةٌ تلاحقه، أو أيدٌ تُحاولُ الإمساكَ به، أو أرجلٌ تلاحقه، مَخَالِبٌ تود أن تنالَ منه كي تنغرسَ في جسدهِ المتهالكِ، يبحثُ عن مكانِ أمانٍ لا يذكره بالماضي، ولا يكررُ معه تلك النكساتِ.
فحينما يسمعُ صدى لتراتيلٍ تطوفُ حوله, يهربُ من دونِ وعي منه إلى القرطاسِ وجوفِ القلمِ من جديد, كي يدونَ حنينه, فالروحُ تغادرُ الجسدَ, تبحثُ عن ارضٍ تجمعه بها مجردةً من الألم, عن غيمةٍ تغسلُ تراكماتِ الأحزانِ, عن الرموشِ, كي ينامَ من غيرِ تلك الكوابيسِ التي أخذتْ تلازمه.
- اتوسلكِ أيتها الدموعُ أن توقفي, علّكِ تبقين شبحَ ابتسامة قد غادرتْ مع الخيبةِ الأولى.
فتوأمُ الروحِ بعيد, لا شيء يواسيه أكثر من تلك الكلماتِ التي لم يقدِرْ أن يبوحَ بها, إلى ذلك الحنينِ الذي لا زالَ يخبئه ما بين الضلوع, فيعيدها إلى أولِ ومضةِ سعادةٍ اجتاحته من دون سابقِ إنذارٍ, فتجعله يتراقصُ مع قطعِ الغيومِ المتناثرةِ, توعزُ له أن تجمعي وأمطري فخراجِ السعادةِ سيكون له وهي معه.
يهمسُ لها، يعيده، يبكيه، فيعتريه شكٌّ على أنها فَوَاتِير مسجلةٌ باسم القدرِ، باسم عُرْي السنين، عدم القدرةِ على التمييز، ترى هل ينفع؟ يصرخُ نبضه، على أنه لا زالَ ينتظر تلك الغيمةَ كي يبددَ ذلك الجفافِ من طريقهِ، أن يروي ظمأ الأيام.
- مهلاً أيها القلبُ المتيمُ, كيف لي أن اُوقفَ زحفها في دواخلي؟ أن أتركها تخبو, أن أزيلها من بحرِ حنيني, أن أجعلها تتشظى, تتبخر, أو تكون كذراتِ غبارٍ تتطاير؟ كيف لي أن انسى صدى صوتها, أن امحو صورتها من ذاكرةِ الأيام, أن اُوقفَ سيلَ الدموع, احدد حركةَ الرموش؟
يتحسسُ رجفةَ صمتهِ، بحنجرةِ هلوساته، يحاولُ أن يهربَ من لجةٍ يتخبطُ بها، يثيرُ أحلاماً قد شاختْ، يحاولُ أن يعيدَ لها روحَ الشبابِ، ينتشلها من ذاكرةٍ يسودها السواد، وأن يعبرَ السرابَ، أن يخرجَها من أنيابِ المستحيلِ، حنينُ ينصتُ لحديثِ ذلك الصمتِ، بلغةِ الجمادِ، هذيانٌ، بلغةٍ وقفتْ الحروفُ على أبواب الحنجرةِ، تتسابقُ الخروجَ، وقد تذهبُ في تيهٍ لا نهاية له.
- لا تخبري أحدا بأن صورَكِ مخزونةٌ في ذاكرةِ الأيامِ ولم تتغير بتغير السنين، لا تخبري أحدا بأني ومنذ الطفولةِ الأولى اِعْرِفْ قدري، ومنذ أن بدأتْ تتكدسُ أوجاعي ما بين الأحشاء، لا تخبري أحدا بأني وحينما يجتاحني الشوقُ لا أجدُ غيرَ الهلوسةِ كملاذٍ أخير، اُكْتُبُ من دون قيود، ثم أمزقُ أوراقي كلَّها، كي أفرغَ صدري من كلِّ ألم ووجد، ذلك الجنون هو ملاذي.
يُحاولُ أن يخفي تلك الأحلامَ تحت وسادته خشية التلصص، تحملُ نبضَ القلوبِ، خَلَجَات الأوصالِ، الشهقاتِ التائهةِ، إحراق ساعاتِ الليلِ، والأصابع تحاولُ فتح نوافذَ الحكاياتِ، نَوَافِذ حُكمَ عليها بالإغلاق، لتبقى دموعُ العشقِ حبيسةَ المآقي، فالرحيلُ أجبرَ تدفقُ عيونُ الدمع لتحرقَ الخدودَ، ويبللُ الوسادةُ حَدَّ التشبعِ لحين انبلاج ضوء الفجر.
- اعلم أيها القلبُ بأنه لا زالَ في نبضاتك، مع تدفقُ الدمِ في عروقي، في شراييني وأوردتي، بل هو من ضمنِ مكوناته، فلا تسألني عن المستحيلِ، فالمستحيلُ لديّ أن تكونَ خارجاً بإرادتي.
وحينما ينتهي يقومُ بتمزيق أوراقه ويبعثرها في الهواء، يلوذ بالصمتِ، والدموعُ تنسابُ من دون توقف، وكأنها تغرفُ من بحرٍ ليس له قرار، ويرقدُ ما يعيش من السنينِ تحت شجرةِ الأمنيات، يقلبُ صورَ الماضي ويكرر.
- تلك العطورُ التي لازلتُ أذكرها، أجدها في الأماكن، في الهدية التي أخبئها تحت الوسادة، فكيف ترتاحُ أعماقُ وجداني؟
يلوذُ إلى النوم، كملاذٍ أخير، فَالْبَرُّ في أن يخرجَ من يقظتهِ على الدوام، أو أن يغرسَ أصابعه في أعماقِ ذاكرته، ليقتلع جذورَ أحلامه كلَّها، ثم يلقيها على قارعةِ الطريقِ، عسى أن يهدأ.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط


المزيد.....




- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)