أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في قصيدة إذا الشعب للدكتور غزوان الوردي (الجزء الثاني)















المزيد.....

متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في قصيدة إذا الشعب للدكتور غزوان الوردي (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 01:09
المحور: الادب والفن
    


ثم يعود السؤال المحوري:
"إذا الشعب نوماً أضاع الحياة
فما البُدُّ لو يستجيب القدر؟"
السؤال هنا ليس سؤالاً بلاغياً عن إرادة القدر الغيبية، وإنما هو نقد للجبرية التاريخية؛ فالشاعر لا يسأل عن إرادة القدر بقدر ما يسأل عن إرادة الشعب نفسه، فالنوم استعارة للغيبوبة الوجدانية، وإضاعة الحياة هي الخسارة الكبرى. وهنا نستذكر قول "جان جاك روسو":
"الإنسان ولد حراً، لكنه في كل مكان مقيد بالسلاسل"
والوردي يضيف معنى أشد قسوة: بل نحن من أحببنا تلك السلاسل.
ثم يأتي السؤال الأقسى:
"وما نفع مليّ صمت أصم
معاق الطموح وأعمى البصر"
مليار عربي يصمتون، لكن صمتهم أصم؛ لا يسمع ولا يُسمع طموحهم. وهم معاقو الطموح، عميان البصر. وهذه الصفات المركبة: أصم، معاق، أعمى، تصنع صورة لمجتمع مشلول الحواس، لا يستطيع النهوض حتى لو جاءه القدر.
ثم يقول: نحن الذين قتلنا البلاد..
"فنحن شعوب تحب القيود
وتعبد جالدها المحتقر
ونحن الذين قتلنا البلاد
وليس المغول وليس التتر
وننزف نفطاً ودماً.. صاغرين
فيا للإباء ويا للظفر
أندفع أوطاننا جزية؟
ونحن الأباة بوجه الخطر
وكنا الجبال التي لا تضام
فنحن السجايا ونحن السير"
هنا يأتي التحول التاريخي الأكثر قسوة، وكأن الشاعر يخلع القناع نهائياً:
"نحن شعوب تحب القيود
وتعبد جالدها المحتقر"
إنها جملة تزلزل الضمير الجمعي؛ فنحن لا نقبل القيود فحسب، بل نحبها، ولا نخاف الجلاد فقط، بل نعبده. إنه نقد للذهنية العربية، يكشف علاقة مرضية بالسلطة. وهنا يقترب المعنى من قول "ميشيل فوكو":
"السلطة لا تُفرض فقط، بل تُمارس برغبة المحكومين"
وكأن الوردي يقرأ فوكو قبل أن يكتب هذه الصورة.
ثم يصدمنا التاريخ:
"ونحن الذين قتلنا البلاد
وليس المغول وليس التتر"
في هذه الجملة يمارس الشاعر نقضاً للمرويات الجاهزة. ليس العدو الخارجي وحده هو من دمّر الحضارة، وإنما كان التخاذل الداخلي، وتقديس القيود، وعبادة الجلاد جزءاً من السقوط. فسقوط بغداد لم يكن بسيف هولاكو وحده، بل كان أيضاً بيد عربية لم ترفع سيفها في الوقت المناسب. وهنا نستذكر قول "ابن الأثير":
"الداء العضال فينا لا في عدونا"
وكأن الوردي يعيد هذا المعنى في سياق شعري.
ثم تأتي ثلاثية النفط والدم والصغار:
"وننزف نفطاً ودماً… صاغرين"
إنها ثلاثية الاستنزاف؛ ننزف أغلى ما نملك، وننزف ونحن صاغرون، أي مهانون، لا نرفع رؤوسنا. وهنا يتقاطع المعنى مع ما قاله "عبدالرحمن العشماوي":
"نحن الحضارة ضاعت في زحام الدمى"
لكن الوردي يرفع السقف أكثر: نحن من أضعناها بأيدينا. ثم يسخر من دعاوى الإباء:
"فيا للإباء ويا للظفر"
إنها سخرية باكية من الإباء والظفر اللذين نرددهما، بينما نحن ندفع أوطاننا جزية. ويطرح السؤال اللاذع:
"أندفع أوطاننا جزية؟"
أي هل أصبحت أوطاننا خراجاً ندفعه للآخرين؟ ثم يستعيد ماضي العزة:
"ونحن الأباة بوجه الخطر
وكنا الجبال التي لا تضام
فنحن السجايا ونحن السير"
السجايا جمع سجية، أي الطبع، والسير جمع سيرة، أي الطريقة والسيرة. نحن الطبع والسيرة، نحن الأصالة، لكننا نعيش على ذكرى الماضي، لا على فعله.
حين تتزلزل الأرض
يختتم الشاعر:
"تزلزلت الأرض عن كل وهم
فلا البحر بحر، ولا البر بر
إذا الشعب نوماً أضاع الحياة
فما البد لو يستجيب القدر"
وأخيراً يختتم الشاعر بصورتين كونيتين: "تزلزلت الأرض عن كل وهم" الزلزلة هنا ليست زلزلة طبيعية، وإنما زلزلة في الوعي. إنها الأرض التي تنهار تحت أوهامنا، فتتكشف الحقائق. وإذا تزلزلت الأرض من تحت الأوهام، فلن يبقى شيء على حاله.
"فلا البحر بحر، ولا البر بر"
كل الثوابت الجغرافية تنهار، وكل المعاني المستقرة تتزعزع. ومع ذلك، فإن هذا الانهيار ليس يأساً، بل تمهيد لنهضة؛ لأن الوعي بالوهم هو بداية التحرر.
لكن السؤال الأخير يعود من جديد:
"إذا الشعب نوماً أضاع الحياة
فما البدُّ لو يستجيب القدر؟"
وهنا يختلف السؤال عن سابقه؛ ففي المرة الأولى قال: "فما البُدُّ" بضم الباء، وفي الأخيرة قال: "فما البَدُّ" بفتح الباء. والفرق دقيق، لكنه عميق؛ فالأولى تعني: ما المفر؟ والثانية تعني: ما الحتمي؟
وهكذا يتحول السؤال في النهاية إلى سؤال عن الحتمية والمصير المحتوم إن لم نستجب. وكأن الشاعر يقول: إذا لم نصح نحن، فلن يستجيب القدر، بل سيكون علينا أن نواجه حتمية أخرى. وهنا نستذكر قول سارتر:
"الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً"
لكن الوردي يضيف، في هذا السياق، أننا محكومون على أن ننام، وهذا هو المصير الأقسى. ليس القدر وحده من يقرر مصيرنا، بل نحن من نصنع القدر حين نصحو.
بعد هذه الرحلة التأملية مع أبيات غزوان الوردي، نخلص إلى حقيقة مزلزلة: القصيدة ليست مجرد نصوص شعرية تُحلل، بل هي مرآة مزلزلة وضعها الشاعر أمام وجه الأمة العربية، لتريها ما لا تريد رؤيته. إنها تقول لها بوضوح إنها قتلت بلادها قبل المغول، وإنها تعبد جلادها، وإنها تحب قيودها، وإن نومها عن حياتها هو السبب الحقيقي للخراب. وكأن الوردي يفضح هذه الإرادة المشلولة التي تريد الخلاص، لكنها لا تستطيع أن تريده حقاً.
ومع ذلك، فالقصيدة، رغم قسوتها، ليست يائسة. ففي زلزلة الأوهام، وفي انهيار البحر والبر، توجد بذرة نهضة؛ لأن الوعي بالمرض هو بداية العلاج. وكما قال "مالك بن نبي":
"الأمة التي لا تعرف مرضها، لا يمكن أن تجد دواءها"
ومن هنا، فإن سؤال الشاعر المتكرر:
"إذا الشعب نوماً أضاع الحياة
فما البد لو يستجيب القدر؟"
ليس سؤال يأس، وإنما دعوة مبطنة إلى اليقظة؛ لأن القدر لا يستجيب لمن ينام، بل لمن يرفع رأسه ويسير. وعليه، نصل إلى مغزى العنوان: "متى يستجيب القدر؟" الإجابة، بعد هذا التأمل كله، ليست في السماء، وإنما في الأرض، في إرادة الشعب نفسه. فإذا كان الشعب هو من يضيع الحياة بالنوم، فهو وحده من يستطيع استعادة الحياة باليقظة. والقدر، في النهاية، ليس أكثر من مجموع اختياراتنا.
وخلاصة القول إن قصيدة الوردي ليست مرثية للعرب، بل تمهيد لنهضة. غير أن النهضة لا تأتي من قارئ يقرأ ويتأثر، وإنما من قارئ يقرأ وينتفض. وهنا يكمن التحدي الأكبر: هل نكتفي بأن نكتب مقالات تأملية عن هذه القصيدة، أم نتحول نحن إلى نص حي نكتبه بأفعالنا، لا بكلماتنا؟
وهنا يعود قول "أبي القاسم الشابي":
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر"
لكن الوردي يقلب السؤال: ماذا لو لم يُرد الشعب الحياة بعد؟ حينها لن يستجيب القدر، بل سيسير في طريق آخر؛ طريق الخراب والاندثار.
وأخيراً، من أبرز ما نجح فيه الشاعر أنه جعل القارئ شريكاً في السؤال، لا متلقياً لإجابة جاهزة. وبذلك تكون القصيدة قد حققت غايتها القصوى: أن تتركنا أمام مرآتها، نحن وشعبنا، ومدننا، وجراحنا، وأحلامنا، وقيودنا التي نحبها. فهل نكسر المرآة؟ أم نكسر القيود؟ القرار لنا، والقدر في انتظارنا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم


المزيد.....




- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في قصيدة إذا الشعب للدكتور غزوان الوردي (الجزء الثاني)