أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ارتياب















المزيد.....

قصة قصيرة: ارتياب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 03:04
المحور: الادب والفن
    


يجلسُ بجانبِ المذياعِ الذي يحمله في تنقلاته جميعها حينما يشعرُ بالوحدةِ غارقاً مع الأسوأ في خيالاته، تلك الهواجسُ الصامتةُ المختبئةُ في الدواخل، فيقضي معظم أوقاته يصيخُ السمع، كأنما هنالك استغراقٌ تأملي تحت ثقلِ القلق، بل وكأنما هنالك أرواحٌ قاتمةٌ تتناقل فيه، تجعله يعجزُ في إيجاد الحد الفاصل ما بين التخيلِ وإدراكِ الحقيقة، لم يكن مجرد يوم من أحد تلك الأيام التي مرت منذ شهور، أو يوم من ألمٍ في مقدمةِ الرأسِ أو حول محاجرِ العيون، فالأمرُ يتعلقُ بمعركةٍ ربما ستقعُ في قادمِ الساعات، ذلك الواقعُ البشعُ من الوهمِ الذي تم زجه في العقولِ يستندُ على ماضٍ ضبابي، تأسره الحيرة، كأنما بدأ يشعرُ بمغالطةِ دفء الحاضر المزعوم، جثثٌ ملقاة على الأرض، أشلاءٌ ممزقة، وشظايا تتطاير في الجو، لا يعلمُ سر تلك الرغبةِ في كثرةِ التفكيرِ في أبسطِ الأمور، ولا لعدم وجود الرضا الروحي الذي يدفع البعض إلى الاندفاعِ الذي يراه أمام عينيه، لذا؛ بدأ ينظر إلى ذلك التنويرِ العقلي بنظرةِ الريبةٍ وهو يسمحُ لهذا التضليلَ أن يستشري بعدما تشرّب بصفاءِ ضميرٍ وصدقٍ من الكتبِ التي كان يقرؤها وهي تركز على ضرورةِ المحافظةِ على الوجودِ الإنساني، غير أنَّ الأسوأ هو في كيفيةِ المحافظةِ على تلك القناعةِ التي لا تزال تدفعه كطاقةٍ لا يتمكن من كبحها.
لم يكن ذنبه أن يجد هذا الخوفَ المتجذرَ فهو ينهضُ من الدواخلِ من دون مقدمات، فهواجسه غالبا هي التي تصنع المآسي قبل وقوعِ الحدث، فيقيد اللسانَ من أن يتحرك ليمنع من أن تسري الكلماتُ في العلنِ على شفتيه حينما تحضر تلك اللحظاتُ من الفزع، لذا؛ فهو يحاول أن ينفي وجود تلك الهواجسِ إلا في رأسه، إلا أنَّ تلك الأفكارَ راحت تتوالى في مخيلته، أحدها طافت على السطحِ وأصبحت مترابطة في عقله، فقمةُ الشرِ في تصوره أن يقعَ المرءُ في دائرةِ الشك، فكم مهيبٌ حينما يجد تلك المخاوفَ قد أخذت تتحول إلى حقيقة، ذلك هو الضجرُ المحبط،, فحرّاسُ النيّاتِ حسب نبوءته بدأت تتوزع نظراتهم الغريبة، يحاول أن يرفضَ تلك الهواجسَ التي داهمت خيوطَ شتات أفكاره، تلك التي تتركه شاردا بين تجاويفِ الأرضِ في صمت مطبق، إلا من حركةٍ لأصابعه العشرةِ وهي تتشابك بلا هدف، فالولاءُ كما يفهمه هو حقيقةٌ راسخةٌ يجب أن تظهرَ بالأفعالِ لا بالأقوال، وهنالك سماتٌ قد لا يتعلمها من خلال قراءةِ الكتبِ وإنما تتناقل بشكلٍ توارثي أو تربوي، إلا أنَّ الواقعَ كما يتصور يفرض نفسه، يحركُ ما كان دفيناً في القلبِ من مخاوفٍ في ظلماتِ الليالي، لذا؛ أصبح أشد كتماناً من أن يذكر ما في دواخله، فالحالةُ تجبره على أن تبقى ما بين الثنايا، وها قد مرت الأيامُ وهي تحمل الفزعَ من قادمٍ مجهول.
لذا؛ بدأ يحاول استحضار ومضة فرح، أن يخفي بكلِّ جهوده ذلك الاضطرابَ الذي يتدفق في قلبه من ثقلِ الذكرياتِ المزدحمةِ بالهموم، أن يجدَ الأعذارَ لها، يصدقها ويعمل بمقتضاها، فأخذ يحاول أن يرسمَ ابتسامة تظهر في قسماتِ وجهه، كي يصدقها عقله ويغالط الهواجسَ المليئةَ بالمعاني الحزينة، ليعمل بقيةُ الجسدِ مع هالةِ ذلك الفرحِ وإن كان مصطنعا، لا أن تخرج باهتةً لا تفي بالغرض منها كما كان يراها في وجهه وهي تعكس قسوةَ الزمنِ في سابقِ الأيام من خلالِ المرآةِ المعلقةِ في بدايةِ مدخلِ الموضعِ الدفاعي، يعلم أنه ليس من السهولةِ على الإنسانِ التخلي عن فكره الراسخ بسهولة أو أن يغير من طباعه التي ارتبطت بالمكانِ الذي نشأ فيه واكتسب بعض المسلمات.
يفتحُ المذياع، يديرُ عتلةَ المؤشر، أخذ يستمع إلى غرائبِ العالمِ بروحٍ منقبضةٍ خلقت لديه شعورا بالوهن، ثم أدارها إلى الموسيقى الهادئةِ عسى أن تبعده إلى جو خال من الأوهام، وربما يؤدي به إلى معرفةِ ما ترتبط باللحظةِ الراهنة، فتذهب محاولته أدراج الريح في بناءِ ذلك الجدارِ العازلِ لصد تلك التصوراتِ التي غالبا ما كان يخشى منها، بعاطفةٍ مزيجيةٍ غامضة، لم يجدْ الخلاصَ من هذا الكابوس، لذا؛ أدار العتلةَ من جديد، أخذ يصدحُ المذياعُ بصوتٍ ارتجالي يرن في رأسه، يشغله الوسواس، يدفنُ وجهه في راحةِ كفية، يحاول أن يستثير قوته كي لا يضعف، يلاحقه الشعور باللاجدوى "إنكم والله تستحقون أكثر من هذا" ليضاف إلى هواجسه شعور أكثر فجاعة، لذا؛ بدأ يضغط على نفسه فتصابرا، يتمنى لو يتسارع الوقتُ ليقف على حقيقةِ هذا الهديرِ المتصاعدِ مع المذياع.
بدت الأرضُ مختلفةٌ هذا اليوم على الأقلِ في عينيه، ولدت الرهبةُ في دواخله وبحالةِ أرقٍ مؤلم، فالموقفُ يتطلب الصمود، ينقل نظره ما بين الأشجارِ الأماميةِ التي تبعد عن الجسرِ الذي يتمركز فيه مع مجموعته بمسافةِ إطلاقةِ سلاحٍ خفيف، فأي خيار هذا الذي يجبره على التواجدِ في هذا المكان، والماضي يرتعش في نفسه، وقد تقولب بقالبِ فكرة يمنعه من تجاوزه، كأن الزمنَ يمتلك ثقلا يضاف إلى الأثقال الأخرى، يضمرُ توقاً سرياً إلى شيءٍ خفي يجره إلى أن يتمسك بالحياة، يصلُ إلى أعماقِ الروحِ فيهزه إلى تلك الكتبِ التي لم يقرأها بعد، تركها عند حافةِ السرير، أو إلى تلك الأختِ الوحيدةِ التي تنتظر مجيئه، ثم إلى تلك الطفولةِ البريئةِ التي مرت، لذا؛ أخذ يعطي لنفسه الأعذار، يمني مخيلته بأنَّ هذا سيصبح ماضيا من الآن، وسيستمع إلى ايقاعاتِ الناي وهو يصدحُ بالحانٍ تتناغمُ مع نبضاتِ قلبه، وقد لا تُسجل في ذاكرةِ الاجيال.
يخفقُ قلبُه بشكلٍ متسارعٍ في اللحظاتِ الأولى من الهجوم، إذ يجد نفسه عارياً من أن يتمسكَ بوسائلِ الدفاع، يلاحقه الشعورُ باللاجدوى من جديد، كأن العالمَ المتشككَ حضر كي يخرج المكامنَ المدفونة، عليه أن يثبت حضوره، يرتعشُ من البردِ الذي بدأ يصلُ إلى العظامِ وربما من الخوف، والحروفُ تقفُ على حافةِ اللسانِ ثم تتلاشى مع الهديرِ المتصاعدِ لمعداتِ الدمار، وبدأت معها تخف وطأةُ الحزنِ الدفين، لذا؛ بدأ يستشعر بوجودِ نداءٍ ناءٍ بصوتٍ متقطعٍ كأنما يصله من عوالمٍ متناهيةٍ في البعد، تزداد خشيته، فيتمسكُ بالأرضِ من دون وعي منه، ربما تلك البراءةُ التي تربى عليها، يثني رجله ليربط الساقَ بالفخذ، يحاولُ الدفاعَ عن المكان، تسقط الخوذةُ من على رأسه إلى الخلف، تتدلى في رقبته بشريطِ التثبيت، فيحضر الخوفُ متجاوزا ألم الإصابةِ وتدفق الدمُ الحار، يستلقي في غمرةِ اليقينِ بعدما واجه الواقع الذي تجاوز الخشية منه, تختفي الأنوار، يبدأ بالهذيان، يفقدُ الإحساسَ بالجغرافية، ولم يعد يعي أهو في الليلِ أم في النهار، تتراءى عشراتُ الصورِ في مخيلته بتداخلٍ غريب، تسبحُ في ذهنه دفعةٍ واحدة، كأنها تستحضر صورٌ للعصورِ كلها، عالمٌ يسوده الظلمُ الإنساني، القسوة، التهميش، عالمٌ مصنوعٌ من الرفض، إلا أنه لم يعد يرى تلك العيونَ التي تحصي الحضور، ترى هل سجّلت له ذلك؟ ثم بدأت الصروحُ تتهاوى فوق الرمال، يتخبطُ في غياهبِ الظلام، يتشكلُ ستارٌ كبيرٌ يحجبُ ما كان يراه، إلا من صوتِ أختٍ له مفعم بالشوقِ إليه يتحول فجأة إلى حزنٍ دفينٍ بعدما أخذت تشق الجيوب، يسمعُ دقاتَ قلبها دقاتَ الأنين، وستتيقن حتما بأنَّ الأمسَ لن يعود، وستستقبل زحفَ الذكرياتِ تحت جلبابِ الظلام، وستمضي تفكر بدويّ الموت، تعيد الطيفَ كلما اشتاقت له وستجده مع اطيافِ الراحلين, فلربما لا خيار لها إلا أن تتعايش مجبرة مع هذا الجنون مع سراب العيش بسلام.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح


المزيد.....




- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ارتياب