أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار














المزيد.....

قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 03:04
المحور: الادب والفن
    


في يومٍ شتوي باردٍ وغائمٍ والرياحٍ شمالية غربية تنشطُ بين فترات، تُحدثُ حركة في فواصل النافذة الواسعة المطلة على الزقاق، وذلك الصفيرُ المتصاعدُ فيها في الأماكنِ السيئة الإحكام، تجلسُ على فراشٍ تم طيه لمرات عديدة ليكون أكثر راحةٍ وأبعد عن برودةِ الأرض، ذلك الفراشُ الملاصقُ للجدارِ الذي زُرعت فيه تلك النافذة، والتي تسمحُ للنظرِ من خلالِها أثناء الجلوس، نظرا لارتفاعها القليل عن مستوى جلوس الأشخاص، يوجدُ بالقربِ منها مدفأةٌ نفطيةٌ من نوعِ علاء الدين، دائريةٌ بلهبٍ يتراقصُ بفعلِ حركةِ الريحِ في الخارج، مما يتركُ أثراً أسْوَدَّا في زجاجةِ الرؤيا، مع وجودِ بعضٍ من الأثاثِ الموزعِ في أرجاءِ تلك الغرفة.
تصلبُ يديها على ركبتيها وهي تطيلُ النظرَ من خلالِ النافذةِ إلى بدايةِ الزقاق, تنتظرُ قدومه الذي طال, حنينٌ يغرسُ مخالبه بين ثنايا الروح, يدفعها لمواصلةِ الإنتظار, فالحنينُ كالمجنونٍ يستحضرُ شريطَ الذكرياتِ في لحظاتِ الترقب, والأسئلةُ تتقافزُ في ذهنها, تتداخلُ محدثةً ضجيجاً والماً في قمةِ الرأس.
انتظرته طويلا أكثر من باقي الأيام، لا تعرفُ ما السبب، وقد تيبستْ أطرافها السفلية من طيلةِ الجلوس، بدأت تحاولُ النهوضَ كي تخفي ملامحَ القلقِ التي تجدها في داخل نفسها، وبالتالي ستظهر حتماً على قسماتِ وجهها، قلقٌ يكاد يشلُ حركتها، وشريطٌ لصدى صوت وقع أقدامه وهي تضربُ الأرضَ يصلها، يطربها، يعزفُ على أوتارِ قلبها، تنظرُ من جديد، صورته تنقشُ على زجاجةِ النافذة، باسمة تناديها، تنهضُ مسرعةً، لا أحد هنالك، تقفُ حائرة، أين ذهبتْ؟ تجدُ بخارَ أنفاسها المتصاعدة قد تكثفتْ على تلك الزجاجة.
مكانٌ شبهُ مهجور، ومقاعدٌ يسكنها الصمت، وزقاقٌ كأنما فيه أشباحٌ تتحركُ داخلة وخارجة منه، الأرواحُ تنادي، تزدادُ نبضاتُ قلبها، تدققُ في بدايةِ الزقاق، الصورةُ تتغير، الناسُ تبتسم، تتضاحك بمليء الأشداق، ليتبادرَ إلى ذهنها تساؤل واقعي.
- لِمَ لا تكونُ فِرحةً هي كذلك؟
لم تكنْ مولعةٌ بالانشغالِ في أحوالِ الناس، لكنه هو الانتظار يُجبرها على مراقبةِ بدايةِ الزقاق، وبالتالي مراقبة المارة، مع قناعتها مع نفسها بضرورةِ إيقاف ذلك الشغف المتجدد لديها في المراقبة، لذا قررتْ بأن تواصلَ ذلك الترقب ولو لبعضِ الوقت، حتى غيابِ الشمسِ خلف البيوتِ المقابلة، تحاولُ طردَ رتابةَ الوقتِ الذي يدفعُ الحزنَ إلى القلب قبل أن يرخي الليلُ سدوله، أنّاتٌ موجعةٌ، وشوقٌ وحنينٌ يصوغُ من الألمِ المتولدِ أسواراً لمعصمِ الروح، والدمعُ الذي يكوي الوجناتِ بنارِ الانتظارِ الممتد، فيزيلُ الفرحَ من الملامح، ولم تدركْ بأن المساءَ قد حل، إذ كانت تركزُ على وجوهِ المارةِ فقط، ولم تدركْ كذلك بأنها كانتْ تتفحصُ تلك الوجوه على ضوءِ المصابيحِ المنبعثةِ من جدرانِ البيوت.
هي الآن لوحدها، تتعايش مع ذكرى نرجسيته المقيتة، وسديمُ الليلِ يبدو أكثر عتمة، فهي والحُب والإخلاص أكثر من توأم، إذ أعطتْ ما يكفي، مع قناعتها بأنه سلبَ منها حتى صدى صوتها الذي بانتْ حروفه بلا معنى بعدما فقدتْ الكلماتُ قيمتها مسبقا، فكليمُ الهوى لا بدَ من أن يُؤثرَ على نفسه بأن يعطي من دونِ قيود، بل وأدركتْ متأخرةً بعضَ الشيء بأنه سيتركها في المتاهةِ تتخبط، تدورُ وتدورُ وستسقط.
- لا.. فأنا لستُ لعبة.
دموعٌ باتت تنافسُ الجريانَ حتى خجلَت الأنهارُ من احتوائها, فهي كالبركانِ الثائرِ, يوجه الإهمال ليتحولَ مع الأيام إلى خيبة, وفي الدواخلِ أشواقٌ مؤجلةٌ لربيعٍ ربما افل قبل حلوله, والانتظارٌ ممتدٌ إلى ما لانهاية يقتلُ البوح, وأحلامٌ يتغلبُ فيها عادة جنودُ الليل على جنودِ النهار في ظلمةٍ حالكةٍ السواد, والغيمُ يندفُ رذاذاً ثم مطراً يزدادُ بالتدريج, وعينان لا تستقران في مكان واحد, تبحثان في اللامكان, في اللازمان, بحركةٍ دائمةٍ عن بصيصِ أمل, موزعة على شكلِ أشلاء, أتشتكي ام تصمتْ؟ والعجزُ ينخرُ الروحُ, ويقتلعُ مواطنَ البسمةِ من الأعماق, والصمتُ القاتلُ يعمقُ ذلك الحزن, يؤنبها من ذلك الشجن, تبحثُ عن إعجازٍ, عن حرفٍ منه, يُوضح لِمَ الرحيل, أو عن حجارةِ لمن لم يصنْ العهدَ, علّها تجدُ سبباً لانشغالها بحلمٍ لم يعدْ إلا سراباً عابرا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب
- قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء


المزيد.....




- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار