أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: السرّكال














المزيد.....

قصة قصيرة: السرّكال


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 08:49
المحور: الادب والفن
    


كان واحداً من أولئك الذين أدركوا مبكراً كيف يقتربون من السيد، وكيف يجعلون من أنفسهم أداة نافعة بين يديه، فلا يحتاج السيد الكبير إلى أن يرفع عصاه بنفسه؛ إذ يُحيط نفسه برجالٍ يتحدّثون بلغته، وينفّذون إرادته، ويحوّلون أوامره إلى مسلّماتٍ لا تقبل النقاش. أولئك الرجال، في نظره، ليسوا أكثر من أوانٍ خزفية صنعها بيديه؛ يمنح أحدهم قليلاً من السلطة، ويترك له هامشاً من القرار، ثم يترقّب كيف يتحوّل ذلك الهامش الصغير إلى ولاءٍ أعمى.
لم يتقدّم السركال في مراتبه على أساس الكفاءة، بل على أساس قدرته على تنفيذ المطلوب دون أن يُثقل نفسه بأسئلة العدل والظلم، أو يسأل كثيراً عن الغاية ما دام الأمر قد جاءه من الأعلى.
رأى في السيد الكبير قدوةً ومنهجاً صحيحاً يستحق الاتباع، حتى صار أمره على الفلاحين أقرب إلى أمر السيد بعبده، منه إلى أمر مسؤولٍ بمن هم تحت إدارته.
وكان السركال، كلما ارتقى درجةً في سلّم السلطة، ازداد قرباً من سيده، وازداد بُعداً عن الذين يشاطرونه الأرض والخبز والتعب. كان يستيقظ قبل الشمس، يمتطي حصانه، ويشد عباءته، ثم ينطلق بين السواقي والحقول. يتفقّد المزارع، ويحصي ما أُنجز وما لم يُنجز، ويبحث عن خطأ صغير ليحوّله إلى ذنب كبير.
كان يعرف تفاصيل الزراعة كلها: مواعيد السقي، وأوقات الحراثة، ومقادير البذار، ومواقع السواقي، ومداخل الحقول ومخارجها. وإذا عرضت مشكلة، يقول بثقة:
- لكل مشكلة حل.
لكن الجميع كانوا يدركون أن حلّه يبدأ غالباً بالعقوبة. لذا كان الفلاحون يتجنبون النظر في عينيه، ويتحدثون معه بصوت خفيض؛ فاللقمة التي يحملونها إلى بيوتهم معلّقة برضاه، وغضبه قادر على أن يجعل أسرةً بأكملها تبيت بلا خبز.
وفي صباح قائظ، بينما كان السركال يسير بحصانه بمحاذاة ساقية طويلة، لمح ماءً يتسرّب من جانبها. أوقف حصانه، ونظر إلى الماء لحظات، ثم صاح:
- من المسؤول عن هذا؟
رفع أحد الفلاحين رأسه وهو يرتجف. كان منهمكاً في سدّ الثقب بالطين والحجارة، فأجاب:
- أنا.
اقترب السركال منه، ونظر إلى الماء المتسرّب، ثم إلى الفلاح. رفع عصاه وضربه بها على ظهره. سقط الفلاح على ركبتيه، وانفلتت من يده كتلة الطين، ثم ساد الصمت .نظر السركال إلى العصا التي سقطت على الأرض، وقال:
- العصا.
رفع الفلاح رأسه بصعوبة، ولم يتحرك. فكرر السركال بلهجة أكثر حدّة:
- قلت لك: التقط العصا.
مدّ الرجل يده المرتجفة، والتقطها، ثم تقدّم بها. أخذها السركال منه، وأشار بها إلى الساقية. كان الماء قد اتسع مجراه، وصار الثقب أكبر من ذي قبل. تأمله السركال لحظات، ثم قال ببرود:
- اجلس فيها.
لم يفهم الفلاح في البداية. نظر إليه، كأن الكلمات احتاجت إلى وقت كي تصل إلى عقله، لكن السركال أعاد:
- اجلس في الفتحة.
لم يكن من الفلاح إلا الإذعان. جلس في مجرى الماء، ثم أمر السركال فلاحاً آخر أن يضع الطين حول جسده..
ظل الرجل صامتاً، لم يرفع رأسه، لم يحتج، ولم يسأل لماذا. كان يعرف أن السؤال، في تلك الأرض، قد يكون أشد خطراً من الخطأ نفسه.
ومضت السنون. تقدّم الفلاح في العمر، وكبر أولاده، ثم صار له أحفاد. تغيّرت الوجوه، وتبدلت الملابس، وتغيّرت أسماء بعض الأشياء، لكن الحكاية لم تفارقه. كلما رأى ساقيةً أو سمع خرير ماء، عاد إلى ذلك الصباح، كان يشعر أن شيئاً ما ظلّ عالقاً في داخله؛ شيئاً يشبه جمرةً تحت الرماد، أو بركاناً ينتظر لحظةً لا يعرف متى تأتي.
وفي يوم، بينما كان يجلس عند عتبة داره، والصبية يلعبون حوله، مرّ رجل مزهو بنفسه، يعطي تعليماته بصوت عالٍ، مؤكداً أن في وحدتهم القوة، وأن الطاعة هي الطريق إلى حفظ مكانتهم.
استفسر الفلاح العجوز عن هوية الرجل، فجاءه الجواب:
- ابن فلان.
رفع رأسه، كان الاسم كافياً، إذ عرف أنه ابن السركال. لكن ما أثقل على قلبه لم يكن أن ابن السركال ما زال يأمر، بل أن أحداً لم يكن يجرؤ على مناقشته، وكأنه لم يتغير شيء بعد كل تلك السنين
ظل العجوز ينظر إليه طويلاً، ثم همس:
- يبدو أن العبودية قيدٌ متوارث.
وسكت قليلاً، ثم أضاف:
- والاتباع يصنع السيادة.
ثم راح يتأمل الصبيان وهم يركضون حول الرجل، وقد بدا لهم صوته العالي شيئاً طبيعياً، كأنهم لم يعرفوا في حياتهم أن السلطة يمكن أن تكون سؤالاً، أو أن الأمر يمكن أن يُناقش.
في المساء، حين كانت الشمس تنحدر خلف التلال، نهض الفلاح العجوز من عتبة داره، ومشى ببطء نحو مكان الساقية القديمة. وقف هناك طويلاً، صار يتخيل أن الماء يجري في المجرى نفسه، وإن لم يعد كما كان. انحنى ومدّ يده إلى الماء، فيتخيل أن أصابعه لامست البرودة، وشعر للحظة أن السنين كلها لم تكن سوى طبقة رقيقة من الطين فوق جرح قديم.
يتخيل موضع الفتحة التي سُدّ بالطين منذ زمن بعيد، يتخيلها صغيرة الآن، أو ربما كان هو الذي كبر. لذا رفع رأسه، فرأى حفيد السركال الصغير يلعب بعيداً بعصا طويلة، يلوّح بها في الهواء، وكأنه يوجّه جيشاً من النمل.
ابتسم العجوز ابتسامة غامضة، وقال في نفسه:
- ليست المشكلة في العصا... لكن المشكلة فيمن يختار من يحملها.
ظل يتابع الصبي بعينيه، ثم ذهب بخياله إلى مكان الماء في الساقية. فيتصور غصناً صغيراً قد سقط فيها، وأخذته المياه بعيداً. حاول الغصن أن يستقر عند إحدى الضفاف، لكن التيار دفعه مرة أخرى، فواصل سيره دون أن يعرف إلى أين .تابعه العجوز حتى غاب عن عينيه، ثم قال:
- من لا يملك اتجاهاً، تختار له المياه مجراه.
وسكت.
رفع عينيه نحو الأفق، حيث كانت الشمس تختفي ببطء، وبقيت خيوط من نورها معلقة في السماء. بقي واقفاً لحظات. ثم عاد ببطء نحو داره. كان مكان الساقية خلفه، فيتخيلها تجري بصوت خافت، تحمل الطين والأغصان وكل ما لم يجد له موطناً على ضفتيها. أما العصا، فبقيت في يد الصبي دون أن يعترضه أحد.
لذا دار السؤال الذي ظل معلقاً في المساء، دون أن يجد له أحد جواباً:
- أكان الصبي يتعلّم كيف يُطيع... أم كان يتعلّم فقط كيف يُطاع؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال


المزيد.....




- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: السرّكال