أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: همس القيد














المزيد.....

قصة قصيرة: همس القيد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 08:49
المحور: الادب والفن
    


في ذلك اليوم الذي زار فيه وفد من جمعية أحياء التراث قلعة آشور العريقة، جلس جمال على صخرة قريبة من زقورتها، يمد البصر نحو نهر دجلة الذي ما زال يقاوم جبروت الأرض، كأنه يصر على البقاء شاهداً على صمت القرون. لم يكن في المكان غير بقايا أصوات تتناثر مع الريح، كأنها صدى قرون لم تكمل الصعود إلى أبواب الحلم.
ومن ثم مرت نسمة باردة على وجهه، فشعر كأنه سافر بالحلم ليستمع إلى أصوات الأسلاف. كان المكان يغوي ذاكرته بالنهوض، فيستعيد أحجاراً تقاوم النسيان، وكل أحجار الماضي متوحدة مع قلقها المعتم. ومع اقتراب المساء، الذي نسي لونه وملامحه، بدت قلعة آشور كأنها تصحو من سباتها العميق؛ كجسد منسي يحاول أن يتنفس ذاكرته الحجرية، كأنها تتنفس غبار القرون وتطلق أنيناً خافتاً يشبه ترتيل الخسارات عبر الزمن.
كان الهواء مشبعاً برائحة الرماد، فيما السماء بدت وكأنها تتهجى أسماءً غابرة على صفحات قطع الغيوم المتناثرة، التي تنذر بقدوم شتاء غزير المطر يعيد للأرض ذاكرة الطوفان.
وبعد أن عم السكون المكان، سار جمال في أرجاء القلعة بخطى مترددة، فلا قنديل يضيء في أقفاص أيامه، كأن العتمة رفيقة صمته. يتخيل النقوش كمن يسير في صدر الزمن، حكايات عن عالم أخفى معه كثيرا من الحقيقة؛ حكاية أرض وإنسان، وكأنما طار به الزمن مع سرب أحزانه إلى هذا العالم، فالتقى خياله مع خيالاتهم في الوقت الضائع من الزمن، تأمل كثيرا من الوجوه، بدأ يبحث عن ملوك غابوا، عن الحُجاب، عن كهنة نسيت طقوسهم، وعبيد ما زال صدى أقدامهم يرن في الحجر. عندها تسلل إلى ذهنه سؤال مقلق، فلعله هو من ألف حياة الصعاب:
- ترى، هل غابت العبودية حقاً؟
غير أن صمته لم يدم طويلاُ، لذا حاول أن يبعد هذا التساؤل عن محور تفكيره، لكن ذلك يقتضي صراعاً، فإذا بصوتٍ مبحوحٍ خرج من بين تجاويف الجدار في المعبد الذي تحول إلى متحف، صوت يائس بدا كأوراق طالها الخريف:
- نحفر الأرض لا لنزرع، بل لنُدفن في صمتها.
ثم أضاف بذات اليأس:
- ونحرث الحقول كما يحرث الموت ذاكرة الأحياء.
رفع جمال بصره بقلق، فإذا بشبحين من الضوء ينهضان عن حافة السور الشمالي؛ أحدهما يقطر عرقاً، يغطي كتفيه غبار التراب، وعيناه تلمعان بدموع تنتظر لحظات تدفقها، كأنه يعمل في الحقول. أما الآخر فكان مكسو برداء ناعم يلمع، يحمل في يده قصعة تبدو من بقايا المائدة الملكية، لذا سأل أعماقه:
- من يكونا؟
قال الشبح الثاني وهو يُصلح هندامه المزهو:
- نأكل مما يفيض عن الحاجة، وننام في ظل دافئ.
ثم نظر إلى جانبيه وأضاف:
- أليس هذا فضلاً يستحق الشكر؟
فأجابه الأول بصوت كصهيل حبيس، وجمال كأنما يغوص أكثر في ذاته، يجسد الواقع من وهم وقصص أبطالها من ظلام، فهي علامة من علامات السكوت المطبق:
- ألا تعلم أن ذلك ينقص من كرامتك؟
رمقه الثاني بازدراء وقال ببرود ساخر:
- وهل العبد يمتلك الإرادة؟
وفي ذروة التوتر، أحس جمال أن الزمن سرقه إلى مكان حيث لا مسافات، وتوقفت فيه عقارب الساعات. ظل المشهد ساكناً حتى بدا أن القلعة نفسها حبست أنفاسها، ثم خرج من عمق الجدار بعد اختلاط الظلام، وجه حجري مهيب، تكسوه نقوش الحكمة، وصوت يتسلل كريح من عهد غابر:
- من عشق القيد، صار ظل نفسه.
ثم زفر بقوة كمن ينذر زماناً جديداً وأضاف:
- الحرية لا تُعطى، بل تُستعاد من خوف القلب.
في تلك اللحظة، نهض الشبح الأول، ورفع معوله نحو السماء صارخاً:
- آن للتراب أن يستعيد اسمه؟
لكن بوابة تابيرا ارتجت كقلب مذعور، قبل أن يحصل على جواب، فقد تسلل الخوف على قلب الشبح الثاني، وهتف بصوت مرتجف:
- إنك تلعب بالنار، فالرابح يغيض الخاسر.
وفي تلك اللحظات، كأن جمال بدأ يسمع صيحات شاحبة، ورأى الصباح ينبلج من بين أطلال الليل، والشبح الأول مصلوب على أسوار القلعة، وقد سال دمه على الحجر، فغطى النقوش القديمة، فيما ارتفعت روحه كطائر يحاول أن يرفرف بجناحين والتي بدت على هيئة قيد.
اقترب جمال من النقش الذي لطخه الدم، فكأنه أحس أن الحجارة تنبض بالحياة، وسمع صوت يأتيه من أعماق التراب:
ـ الحرية تنام فقط حينما يرتجف القلب.
تراجع خطوة إلى الوراء، وشعر أن أيامه الحاضرة بحاجة إلى هديل اليمام، وإلى من يكسر قيود دواخله. عندها التقط حقيبته على عجل، متوجهاً نحو بوابة تابيرا حيث الحافلة تنتظر الوفد. غير أنه، وهو يسير بخطوات مثقلة، شعر أن الريح من حوله تعزف مرثية من زمن لم يغلق بعد، فابتسم بأسى، إذ أدرك أن العبودية لم تمت، بل تبدلت ملامحها، وانتقلت من سوط يُلهب الظهر إلى خوف يُطفئ الحلم، فلا العبودية اختفت، ولا الحرية اكتملت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل


المزيد.....




- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: همس القيد