أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الملجأ التنوري














المزيد.....

قصة قصيرة: الملجأ التنوري


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 01:24
المحور: الادب والفن
    


غشيت العتمة وبخطوات بطيئة الطريق الممتد بين القرية والمزارع الشتوية في السهل الذي يصل إلى حافة نهر دجلة الغربية، بينما كانت أدخنة الحرائق تتصاعد من بؤر متفرقة، وكأنما الأرض تئن وتتأوه من جراحها. بينما أخذ يفكر في كيفية العودة إلى وحدته بعد انقضاء إجازته المرضية. غير أن وطأة المرض لم تكن الحامل الوحيد لآلامه؛ إذ إن متابعته للأنباء طوال فترة استراحته غرست في رأسه هماً أشد قسوة مما سيجري كما كان يعتقد.
كان يجلس مستمعاً إلى مذياعه الصغير وهو ينقل أخبار الضربات المتتالية التي استهدفت المناطق السكنية والمواقع العسكرية. كان يدرك تماماً أن الخطاب الإعلامي يميل إلى التهويل، وأن الوقائع لا تُنقل كما جرت في الميدان بل كما يُراد لها أن تُرى، إلا أن الشواهد المتناثرة كانت كافية لتتشكل في ذهنه صورة جلية: حشود عسكرية ضخمة تتربص في الجانب الآخر، طيران لا يهدأ، وقصف متواصل يمهد لزحف بري وشيك.
وبينما كان يطفئ المذياع، تساءل في سره:
- لو بدأ الهجوم البري، فكم سنصمد؟ يوماً؟ أم ساعات؟ أم أن الأمر سينتهي في اللحظات الأولى؟..... لم يعثر على إجابة.
ومع الصباح، أخذ حقيبته وتوجه نحو مقر وحدته عبر طريق طويل تحت سماء كسيحة بالغبار الأسود. كلما دنى من الجبهة، شعر بانسداد الفجوة بينه وبين الواقع الميداني. عبر قبالة قرى غارقة في وجومها، ورأى الأهالي يلوذون بالعتبات في صمت يشي بالخوف. لذا سأل أحد الواقفين عن الأوضاع، فاكتفى بالدعاء دون إجابة شافية. ولما استفسر من جندي ينوي العودة إلى وحدته العسكرية عما إذا كان هناك جديد، أجاب بسطحية أن الأمور ستكون بخير وفق ما يُقال. نظر إليه ملياً وكاد يسأله عن مصدر هذا التفاؤل، لكنه كتم علامة الاستفهام في صدره، مقتنعاً بأن حتى الحقيقة أضحت عبئاً يخشى الجميع النطق به.
وصل مقره مع انكسار الشمس نحو المغيب؛ كانت السواتر والخنادق هادئة، لكنه سكون محمل بالترقب والحذر. ترجل من مركبته متوجهاً نحو ملجأه الأرضي، ليستقبله الضابط الوكيل بابتسامة متكلفة ومبالغ فيها. تبادلا السلام، وبدأ الآمر يطرح أسئلته الخاطفة حول جاهزية الأفراد، والسلاح، والذخيرة، والمواضع، ليأتيه الرد قاطعاً ومطمئناً لكل بند. وعندما باغت الضابط الوكيل بسؤال:
- وماذا لو وقع الهجوم؟
اضطربت ملامح الأخير للحظة قبل أن يستعيد قناعه الباسم مؤكداً أن كل شيء تحت السيطرة.
لم ينطلِ هذا الاطمئنان على الآمر؛ فما معنى أن يكون كل شيء محسوباً أمام تفوق العدو الكاسح في الجو والبر والمدافع؟ فالفرق بين ما يملكونه وما لدى جنوده شاسع. طلب معاينة المواضع فوراً.
خلال جولتهما، بدأ الجنود يتفقدون أسلحتهم وعتادهم تظاهراً كما ظن في تلك الدقائق، فالعيون معلقة بالأفق المغبر. سأل الآمر الضابط الوكيل عما إذا كان الجنود على علم بما هم مقبلون عليه، فتملص الأخير بالحديث عن إبلاغ الأوامر والتعليمات. قاطعه آمر السرية موضحاً أنه يسأل عن حالة الرجال النفسية لا عن البلاغات الرسمية، خافضاً الضابط الوكيل صوته ليؤكد أن الجميع مدرك للوضع. استرجع الوجوه التي قابلها في طريقه، وتساءل بمرارة عن جدوى المعرفة حين يجد الإنسان نفسه في مواجهة غير متكافئة.
فجأة، شق الصمت دوي انفجار بعيد أتبعه آخر وثالث، لتهتز الأرض تحتهم. علّق الضابط الوكيل بأن القصف قد تجدد، فكرر عليه الآمر السؤال بثبات:
- كيف سنصمد؟
حاول الضابط الوكيل تهدئته، ثم اقترب منه كمن يسرّ بسر عسكري، مشيراً إلى أنه أعد له ملجأ تنورياً.
قاده إلى حفرة فردية ضيقة خلف الخطوط، وهبط فيها ليراوده عن كيفية استخدامها. سأله الآمر عن فائدتها، فأجاب أنها تحمي من الشظايا غير المباشرة. وعندما سأله عن مصيره إذا كانت الضربة مباشرة، صمت الضابط قبل أن يقر بالعجز. حينها ضحك الآمر، لا سخريات بل ذهولاً من هذه المفارقة: حفرة ضيقة لشخص واحد في مواجهة معركة ستلتهم العشرات.
عاد إلى المقر يغمره التفكير؛ أهذه هي الجاهزية؟ حفرة للمقرات وأوامر صارمة للجنود بالصمود وعدم التراجع في الخطوط الأمامية؟ تذكر قول الضابط: "هيأت لك ملجأ"، فتساءل في ظلام المقر:
- وماذا عن باقي الرجال؟
انهمرت القذائف بالقرب من الموقع، وعلت أصوات الصفير والانفجارات، فيما يربض الجنود في خنادقهم يلوذون بالدعاء والصبر. ظل الآمر يراقب ارتعاشة ضوء المصباح النفطي، حتى دخل عليه الضابط ليبلغه بالتعليمات الأخيرة:
- الصمود حتى النهاية.
سأله الآمر:
- وأين هي النهاية؟"
فلم يجد الضابط جواباً وانسحب خافضاً رأسه.
عند الباب، أطل الآمر على الموقف؛ كان الظلام دامساً إلا من ومضات الانفجارات المتكررة. رأى جندياً يخرج لمحة بين الومضات ليعدل كيس رمل سقط من مقره، ثم ينظر للسماء ويعود لخندقه. تأمله مفكراً أن صمود الإنسان قد لا يعود لقوته بقدر ما يعود لشيء آخر... وقبل أن يكمل فكرته، هز المنطقة انفجار عظيم أغرق المكان في العتمة.
لم يعد يسمع سوى دوي القصف وأنفاس الجنود. أما ذلك الملجأ الضيق المفرد، فقد ظل خالياً لم يطأه أحد حتى الصباح، دون أن يعلم أحد إن كان قد حُفر ليحمي رجلاً، أم ليكون شاهداً على عجز الحرب عن حماية بني البشر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- قصة قصيرة: ممرات الرمال
- قصة قصيرة: العشقُ المستحيل
- قصة قصيرة: دوائر من رماد
- قصة قصيرة: طيف أنثى
- قصة قصيرة: السراب


المزيد.....




- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...
- الولايات المتحدة: هيئة محلفين تدين زعيم عصابة بتهمة قتل مغني ...
- بعد 30 عاما من الغموض.. إدانة العقل المدبر وراء مقتل أسطورة ...
- ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي ...
- أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ ...
- شاعر سوري يفوز بجائزة -عبد العزيز سعود البابطين- التقديرية ل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الملجأ التنوري