أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أحضان أُم














المزيد.....

قصة قصيرة: أحضان أُم


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 12:42
المحور: الادب والفن
    


مستلقيا على ظهرهِ ورأسه على الوسادة وهو يرقب صغاره عن بعد وبصمت وهم يطوقون اُمهم التي تجلس على بعد بضعةِ أمتار عنه، إذ ترفدهم بمختلف أنواع الحنان، مرةٌ تقبيلٌ، ومرةٌ تمسح على رؤوسهم، وأخرى تشاكسهم، اضاف وسادة أخرى وراء ظهره ثم بدا وكأنه ينظر إلى نقطة محددة، إذ أخذ ينظر من خلال النافذة إلى بداية تساقط أوراق الخريف، تستوقفه أصوات احتكاكها بالأرض بفعل نسمات هواء متغيرة السرعة، ثم بدأت الرياح تعلن سطوتها على مساحة الحوش، اتربة تتقادم كالأشجان، والطرقات يثقبها العطش على مدى شهور ستة أو أكثر، فانسابت في أعماقه هواجس مضطربة، إذ أن براعمه كبرت وفق اذواقهم، فماذا يفعل وقد عتق الجرح؟ وروحه الآن ترفرف فوقهم بعد أن أصبح لهم كمعلم الاخلاق، أخذ ينظر إلى أكثر من جهة أو مكان، ثم بدأت نفسه تدفعه على أن يبصق على مكان ما لكي يرتاح كما يتخيل ذلك، إذ بدأت تتساقط الذكريات في رأسه، عادت به الذكريات أربعين سنة إلى الوراء، عند ما كان طفلاً، عنيفة تلك السنوات ولازالت، فالذاكرة ثقب اسود يتمنى أن يبتلع مجرات أحزانه، في ذلك الزمن الذي كانت له أُمهُ كل شيء وأي شيء ففي الطفولة كان عاشقا للتعري والعصا بيدها تهدده فيها ولا تفعل، وبكاؤها حين احترقت مقدمة أصابعه في ذلك الصباح البارد وهو يجلس بالقرب من المدفأة النفطية البسيطة، حينها لا تعرف ماذا تفعل، في ذلك المطبخ الطيني الصغير الذي يحتوي على اثاث بسيط عبارة عن طباخ نفطي، ومنضدة خشبية مشبعة بزيت الطهي، وأواني قليله مصنوعة من الألمنيوم وحصيرة مصنوعة من الخوص.
جذبته أُمه بحنان وهي تحاول تغيير ملابسه بملابسِ المدرسةِ، أكملت تغيير الملابس، فدست يدها لأول مرة في جيب البنطال الذي يرتديه، فتحسس بيمينه ذلك الشيء الذي وضعته في جيبهِ من خلفِ القماشِ وهو ينظر في عينيها، فعرف من حجمها أنها قطعة نقود فئة خمسين فلسا، اطلق ساقيه للريح متوشحا حقيبته المدرسية التي صنعتها له أُمه من بقايا ملابس العائلة البالية، كأنه يحمل خزائن قارون في جيبه، متوجها إلى مدرستهِ التي تبعد مئات الأمتار، يتدافع مع باقي الطلاب ويجلس على مقعده الذي خطت عليه خطوط ورسوم كثيرة، استطاع فيما بعد أن يفك طلاسم وأسرار هذه الخطوط بعد أن تعلم القراءة والكتابة، إذ تبين أنها أسماء لطلابٍ قد سبقوه في الجلوس على هذا المقعد في السنوات السابقة.
يأمرهم بعد قليل مراقب الصف بالقيام لأداء التحية للمعلم، ينهض الجميع، يدخل المعلم الصف وبنظرة خاطفة يتفحص كافة الطلاب وبإيماءة من رأسه يأمرهم بالجلوس، أناقة متكاملة، طغت الرائحة الزكية التي يضعها، وبددت رائحة الهواء المتشبع بالرطوبة أو على الاقل خففت منه، وقف المعلم منتصبا أمام السبورة السوداء وهو يرقب الطلاب، وكأنه قائد يرقب جنوده في استعراض عسكري مهيب.
يبدأ الدرس (دار داران دور)، تتوالى الدروس (الحساب) ثم النشيد (يا بط يا بط، اسبح بالشط)
يرن جرس العودة إلى البيت، يتدافع مع الطلاب ليخرج من المدرسة وكأنه عصفور قد أُطلق من قفصٍ وقد احمرت اذناه من البرد، وفي ذهنه قطعة الخمسين فلسا، يتأكد من وجود المبلغ معه، يشعر بأن جميع الطلبة تعلم بوجود تلك القطعة لديه، يعرج على ذلك الدكان الذي يقع في منتصف الطريق، يتمنى أن يراه بقية الطلبة وهو يدخل إلى ذلك المحل، تقاطعت نظراته مع البعض، إذ اجتاحه شعور بالفرح، تبسم لصاحب الدكان ذلك الرجل الهادئ المحترم بملابس ريفية، يضع على رأسه الكوفية والعقال، يشتري ما تيسر لهُ من الحلوى البسيطة بعد أن اصابته الحيرة من تعدد الأنواع، يتذوق بعضا منها ثم يدس البقية في جيب بنطاله الخلفي، يصل إلى البيت بعد مائتي متر، يشم رائحة ارغفة الخبز من التنور الطيني، تستقبله أُمه وتحضنه وتقبله وتمسح أنفه من السوائل التي نزلت بسبب البرد والتعب وطول الطريق بعد أن ازالت ما علق بيديها من بقايا العجين، إذ بدأ يعزف الجوع نغما أخذت تقرأه في حدقات عيونه، تناوله إحدى تلك الأرغفة، يضعه تحت ابطه الأيسر ثم بدأ يقضم منه بوساطة اسنانه قطعة بعد أخرى بشهية تامة، تأخذه بيدها لتدفئه وتحنو عليه، ثم بدأت بتغير ملابسه.
يستفيق من حلم الذكريات، بعد أن جلس على صدره أحد صغاره، ينظر إلى مكان جلوس أُمه المعتاد قبل أن تنطفئ في عتمة الكفن الابيض، إنه---- إنه فارغ، كم هي مؤلمة مترعة بمداد الدموع، تجبره على البكاء بحرقة المفجوع، زخات مطر من العيون قد لا تكفي، إذ كيف يمكنه أن يواسي الغرف التي تشتاق الى وقع قدميها؟ كيف سيواسي الفقير الذي يطلب منها المعونة؟ كيف سيواسي اليتيم؟ فما عاد الحزن يكفي ولا خصام الدنيا، سيخيط لها من جسد النجوم وشاحا أبيضا ليظلل به مثواها الأخير، فأحس بحرارةِ دموعه تقطر على الوسادة وصغيره ينظر إليه باستغراب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...


المزيد.....




-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أحضان أُم