أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ليلة لا تُروى















المزيد.....

قصة قصيرة: ليلة لا تُروى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 01:07
المحور: الادب والفن
    


قبل غروب الشمس بقليل، كانت القرية تدخل عادتها اليومية في سباق صامت مع الظلام. الفلاحون يعودون من الحقول، والنساء يتهيأن لإغلاق أبواب البيوت الطينية، وكل أسرة منشغلة بما تبقى من أعمال المساء؛ فهذا يسوق أغنامه إلى الحظيرة، وذاك يجمع الدجاج ويدفعه إلى أكواخه، وآخر يتفقد الخراف التي أخذت تتجمع قرب المعالف.
كان النهار ينكمش ببطء، والشمس تنحدر خلف التلال البعيدة، تاركةً على جدران البيوت الطينية لوناً نحاسياً سرعان ما يبهت.
أما الأطفال، فلم يكن يعنيهم شيء من ذلك. في طرف القرية كانوا يخوضون معركة أخرى؛ سيوفهم عصي طويلة اقتطعوها من أغصان الأشجار، يلوّحون بها في الهواء، ويتبارزون حتى تتعالى ضحكاتهم. لم يكونوا يعرفون للوقت حساباً، ولا يخطر في بالهم أن الليل قد يحمل شيئاً غير النوم. إذ كان كل واحد منهم يريد أن يثبت أنه الأقوى.
وفجأة، انقطعت المعركة. توقفت السيوف الخشبية في الهواء، وسكنت الضحكات. حدّق الأطفال في الجهة البعيدة من الطريق الترابي. كانت هناك حمير تتقدم ببطء، تثير وراءها غباراً خفيفاً، وعلى ظهورها أحمال كبيرة بدت لهم في البداية كأنها أشباح تمشي على أربع.
اقتربت أكثر. ثم اتضحت الأشياء، أثاث ملفوف بالأقمشة، أوعية نحاسية، أكياس، حزم من الحطب، وأعمدة خشبية طويلة، وأشياء أخرى لم يستطيعوا تمييزها.
قال أحدهم بصوت خافت:
- الغجر.
كان قد سمع الكلمة من أبيه من قبل، ولم يكن يعرف معناها تماماً، لكنه كان يعرف أنها تعني أناساً يأتون من مكان بعيد، ويقيمون خيامهم ليلة أو ليلتين ثم يرحلون قبل أن يستيقظ الناس.
تقدمت القافلة حتى بلغت أرضاً خالية عند طرف القرية. توقفت الدواب، بدأ الرجال بإنزال الأحمال، وأخذوا يثبتون الأعمدة في الأرض، ثم يمدون فوقها الأقمشة السميكة التي سرعان ما تحولت إلى خيام.
كانت الخيام مختلفة عن كل ما عرفه الأطفال. أقمشة واسعة بألوان متداخلة، الأحمر فيها يجاور الأزرق، والأصفر يلتقي بالأخضر، وعلى بعض جوانبها رقع قديمة خاطتها أيدٍ كثيرة، حتى بدا لكل رقعة حكاية لا يعرفها أحد. كانت أطرافها تتدلى قرب الأرض، وتحركها الريح فيبدو للناظر أن الخيام تتنفس.
نُصبت الخيام على هيئة مستطيل مفتوح من جهة القرية، تتوسطه ساحة واسعة، كأنها فناء لبيت بلا جدران. وفي أطراف الساحة عُلقت أوعية، وربطت الحمير قرب معالف مؤقتة، وأشعلت النساء مواقد صغيرة راحت ألسنتها البرتقالية تتراقص في الهواء.
لم يعرف الأطفال لماذا اختار الغجر هذا المكان بالذات. كان قريباً من القرية، لكنه ليس داخلها. وكانت الخيام متجهة بوجوهها نحو البيوت الطينية، كأنها تنظر إليها.
خرجت النساء من الخيام. كن يرتدين أثواباً زاهية الألوان، واسعة، تتحرك مع أجسادهن، وتلمع عند أطرافها قطع معدنية صغيرة كلما تحركن. وعلى رؤوس بعضهن مناديل ملونة، وفي أعناقهن عقود كثيرة، أما أساورهن فكانت تصدر رنيناً خافتاً يشبه صوت ماء بعيد.
وقف الأطفال يراقبون من مسافة قريبة. كانوا يتمنون الاقتراب أكثر، لكن آباءهم نادوهم.
- عودوا إلى البيوت.
لم يسأل الأطفال لماذا.
كان في نبرة الآباء شيء جعل السؤال نفسه يبدو ممنوعاً. أما الرجال الغجر، فكانوا قد بدأوا يتحركون بين البيوت. يحمل كل واحد منهم عصاً، يمسكها بطريقة غريبة، ويحركها خلفه كلما اقترب من بيت، كما لو أنه يبعد بها كلباً غير موجود، والأغرب أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى في الأماكن التي لا توجد فيها كلاب.
طرقوا الأبواب الخشبية أو المكونة من صفائح واحداً بعد آخر، وطلبوا الخبز، وبعض الدقيق، وأحياناً شيئاً من الطعام.
كانت الأبواب تُفتح ثم تُغلق، تخرج يد وتعود يد، كلمة قصيرة هنا، وأخرى هناك. لكن الأطفال ظلوا يراقبون من خلف الأبواب والنوافذ كل من مكانه.
ومع حلول الظلام، أُغلقت أبواب القرية أو هكذا اعتقد الأطفال، نامت الدواب، خفتت الأصوات، بعد أن استسلمت البيوت الطينية للعتمة.
كان كل شيء يوحي بأن الليلة انتهت. ثم بدأت الموسيقى تصدح، في البداية كانت بعيدة وخافتة، كأن الريح تحملها من مكان لا يُرى. ثم ارتفعت شيئاً فشيئاً من بين الخيام. ضربات إيقاعية، ناي حزين، وأصوات تصفق على إيقاع لم يعرف الأطفال له اسماً.
رفع الصغار رؤوسهم من مضاجعهم، لم يستطيعوا النوم. كانوا يسمعون الموسيقى من خلف الجدران، ويشعرون أن شيئاً ما يجري في الخارج، شيئاً لا يشبه ليالي القرية.
وفي تلك الأثناء، رأى بعض الأطفال آباءهم يستعدون للخروج، كانوا يرتدون ثياباً غير ثياب العمل، يتفقدون شعرهم، يمسحون وجوههم، يعدلون أطراف ملابسهم. بعضهم وقف أمام المرآة طويلاً.
كانت الزوجات يراقبن بصمت. تظهر على وجوههن ابتسامات صغيرة، سرعان ما تختفي. لم تسأل واحدة منهن زوجها إلى أين يذهب، ولم يسأل رجل زوجته لماذا تبتسم، وحين تتلاقى العيون، كان الصمت يسبق الكلام. صمت ثقيل، كأنه اتفاق قديم لا يحتاج إلى شرح.
كان الأطفال يراقبون كل ذلك من خلف الأبواب، تراكمت الأسئلة في رؤوسهم، مع أنهم تظاهروا بالنوم: إلى أين يذهب الآباء؟ ولماذا ارتدوا ثياباً أجمل؟ ولماذا تبتسم الأمهات؟ ولماذا لا يتحدث أحد؟
لكن أحداً لم يجرؤ على السؤال. ثم أُغلقت الأبواب، وغاب الرجال، وبقيت الموسيقى في الخارج. إذ استمرت حتى وقت متأخر من الليل.
ثم، فجأة، انقطعت، ساد صمت لم يكن يشبه الصمت، كان أشبه بشيء حدث، ثم ابتلعته العتمة.
في الصباح، خرج الأطفال قبل أن يوقظهم أحد، كأنهم على موعد مسبق. تجمعوا في المكان نفسه، لكنهم تفاجأوا لم تكن الخيام هناك، اختفت تماماً: لا خيمة، ولا رجل، ولا امرأة، ولا دابة. كأن القافلة لم تصل أصلاً.
ركض الأطفال إلى المكان. وجدوا مواقد مطفأة، وبقايا رماد ما زال يحتفظ بشيء من دفء الليل،
ووجدوا آثار لمعالف الحيوانات وبعض القش المتناثر، وأوتاداً صغيرة، وثقوباً في الأرض كانت قد ثبتت فيها أعمدة الخيام.
جلسوا حولها، نظر أحدهم إلى الآخر.
قال أحدهم:
- أين ذهبوا؟
لم يحصل على إجابة.
قال آخر:
- ألم يكونوا هنا؟
قال ثالث:
- كانوا هنا... رأيناهم.
ثم صمتوا. ثم عاد كل واحد إلى بيته، وفي صدره سؤال أثقل من أن يحمله طفل. سأل بعضهم أمه، فأشاحت بوجهها. سأل أخر أباه، فنظر إليه طويلاً، ثم قال:
- عن أي ليلة تسأل؟
لم يفهم الطفل، لكن الجواب زاد الأمر غموضاً.
ومرت الأيام. اختفت آثار المواقد تحت التراب، واندثرت ثقوب الخيام، وسارت الحياة في القرية كما كانت. إلا أن الأطفال ظلوا يتذكرون تلك الليلة، كلما جاء الغروب، كانوا ينظرون إلى الأرض الخالية عند طرف القرية. وكأنهم أحياناً، يسمعون شيئاً يشبه الموسيقى. وحين يسألون آباءهم، كانت الأبواب تُغلق أولاً.
ثم يأتي الجواب همساً:
- عن أية ليلة تتحدثون؟
كبر الأطفال، لكن السؤال لم يكبر معهم وحده. كبر معه الصمت، وفي كل مرة كان أحدهم يحاول أن يستعيد ما حدث، كان الآخر يضع إصبعه على فمه، فبعض الحكايات لا تموت لأنها نُسيت، بل لأنها عاشت طويلاً في أفواه أصحابها، ولم تجد يوماً من يجرؤ على إخراجها إلى الضوء.
أما في طرف القرية، فظل هناك مكان صغير لا ينبت فيه العشب. وكان كبار السن، كلما مروا بالقرب منه، يسرعون خطاهم. وإذا سألهم أحد عن السبب، نظروا حولهم أولاُ، ثم يقولون همساً:
- لا شيء.
لكنهم كانوا يعرفون أن هناك شيئاً، شيئاً حدث ذات ليلة. ليلة جاءت فيها الخيام، ثم رحلت.... ولم ترحل الحكاية.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...
- الذاكرة حين تصبح وطناً: قراءة تأملية في كتاب تأملات من شواطئ ...


المزيد.....




- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...
- مخطوطات موريتانيا في مواجهة التحديات.. هل تنقذها الرقمنة من ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ليلة لا تُروى