أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: القرار














المزيد.....

قصة قصيرة: القرار


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 00:24
المحور: الادب والفن
    


في ليلٍ شتويٍّ بارد، كان القمر بدراً يسكب ضوءه على الأرض كأنّه عينٌ سماوية تراقب ارتباك البشر في صمتهم. بدا المكان ساكناً على نحوٍ مخاتل، صمتٌ ثقيلٌ لا يخلو من توترٍ خفيّ، تتخلله إطلاقات متقطعة هنا وهناك، كأنها تذكيرٌ بأن الموت ليس غائباً بل مؤجل فقط. كان الفجر يتهيأ لولادته، لحظةٌ فاصلة بين عتمةٍ تنسحب ونورٍ يتردد في الدخول.
جاءه الاتصال:
"أحد أفراد المجموعة وقع في حقل ألغام، نعتقد أنه لم يُصب، ماذا نفعل؟"
لم تكن الكلمات مجرد خبر، بل شرارة أربكت الداخل كله. اقتحمت الحيرة صدره كعاصفة، وتداخلت الأفكار في رأسه حتى كادت تشلّ إرادته. ذلك الشاب… الذي سبق أن أصيب بعطبٍ في دماغه، وظلت تصرفاته غير المتوقعة تثير القلق بين الحين والآخر، عاد الآن ليقف في قلب سؤالٍ لا يحتمل التأجيل.
اتصل بالمراجع، وبالصنوف الهندسية. جاء الجواب جافّاً، محكوماً بمنطق الحساب لا منطق الحياة:
"لا يمكن المساعدة الآن، الوقت متأخر، والفجر قد بدأ بالظهور، وإذا تحركنا فلن نصل قبل شروق الشمس."
أغلق الهاتف، لكن الجواب لم يُغلق شيئاً في داخله. بقي معلقاً كحكم ناقص، لا يريح الضمير ولا يُسقط المسؤولية. راح يذرع المكان ذهاباً وإياباً، يضغط كفاً بكف، وكأنه يحاول أن يعصر من جسده قراراً واضحاً. بين رغبةٍ في الاقتحام وشجاعةٍ على حافة التهلكة، وخوفٍ فطريٍّ يتخفّى في هيئة العقلانية، كان الإنسان داخله يتنازع مع القائد.
قال في نفسه:
- إنها ضريبة المسؤولية… لا مهرب من القرار.
ثم اتجهت أفكاره إلى الاحتمالات، إلى حسابات النجاة والخسارة، إلى صورة الجماعة التي تنتظر، وإلى ذاته التي لا تريد أن تُدان لاحقاً. لكن شيئاً آخر كان يشتغل في العمق: فكرة أن القرار ليس اختياراً تقنياً، بل امتحانٌ للوجود نفسه. حسم أمره أخيراً:
- سأذهب، حتى لو أشرقت الشمس.
انطلق بخطواتٍ سريعة، وصوت الحصى تحت قدميه كان كإيقاعٍ متوتر يرافق ارتباكه الداخلي. البندقية على كتفه لم تكن أثقل من فكرة واحدة: ماذا لو أخطأ؟ وماذا لو تأخر؟ كلما اقترب، ازداد الوقت ضيقاً، حتى بدا الفجر وكأنه يطارده لا ينتظره. وحين وصل، شعر أن قلبه يقفز خارج صدره، كأنه يريد أن يسبقه إلى المجهول. المشهد كان أبعد من مجرد خطورة: حقل ألغام ممتد كفكرة موتٍ مؤجلة، أسلاك دقيقة تتقاطع كخيوط قدرٍ غير مرئي. رجلٌ واقف في قلبه، متسمّر منذ ساعات، كمن اكتشف متأخراً أنه داخل نص لا يعرف نهايته.
تمتم:
- يا إلهي… كيف نجا حتى الآن؟
لكن السؤال لم يكن للدهشة فقط، بل لإدراك هشاشة المعجزة نفسها. لذا حاول أن يضبط ملامحه، أن يظهر هدوءاً يليق بالموقف، بينما داخله يرتجف. العيون كلها كانت عليه، وكأن القرار لم يعد فردياً بل محكمة صامتة تنتظر حكمه.
في لحظةٍ خاطفة، مرّت في ذهنه صورة والدته… تنتظره في إجازةٍ قريبة، بلا معرفة بأن ابنها الآن واقف على حافة الحياة والموت معاً. هناك، في تلك المسافة بين الأم والواجب، فهم شيئاً أبعد من الخوف:
"أن المسؤولية ليست شجاعةً فقط، بل قدرة على خيانة الطمأنينة من أجل الآخرين."
لذا قال في نفسه:
- يجب أن أتجاوز نفسي… ليس كخيار، بل كقدر.
بدأ الضوء ينجلي، وكأن الصبح يرفع الستار عن حقيقة كانت مخبأة في الظل. ظهرت الأسلاك الدقيقة، واضحة كأنها كتابة الموت على الأرض. تقدّم خطوة، ثم أخرى، مستخدماً خشبة قصيرة ليختبر موضع قدميه، كأنه يعيد تعريف معنى الحركة. كل خطوة كانت قراراً مستقلاً، وكل قرار كان احتمال نجاة أو نهاية .تجاوز الأسلاك بحذرٍ يكاد يكون صلاةً صامتة، والقناص قد يترصده في أي لحظة، لكن الزمن هنا لم يعد زمن القناص، بل زمن الضمير. وحين وصل إليه، وجده واقفاً، لا يتحرك، كأنه فقد القدرة على تصديق أن الحياة كانت على بعد خطوة خاطئة واحدة فقط.
انكسر الصمت.
وفي تلك اللحظة، لم يكن البكاء مجرد دموع، بل انهيار فكرة القوة أمام عبث الاحتمال. أجهشا معاً، كأنهما لم ينجوا بعد، وكأن النجاة نفسها لا تزال معلّقة في سؤال لم يُحسم بعد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ
- قصة قصيرة: العهد


المزيد.....




- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: القرار