أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش















المزيد.....

قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 00:24
المحور: الادب والفن
    


قبل أن تتراجع الشمس خلف الأفق بقليل، كان المكان يدخل في ساعته الأكثر ازدحاماً. تختلط أصوات الدواب بحركة الرجال، وتتعالى من البيوت المتناثرة على التلال نداءات النساء ووقع أقدام الأطفال العائدين من السهل، فيما كانت رائحة التراب الساخن تختلط برائحة الحطب ودخان المواقد.
لم تكن القرية كما كانت من قبل. قبل سنوات، كانت البيوت الطينية تمتد بمحاذاة النهر، وكنت إذا وقفت في باحة حوش أحدها ترى الماء يلمع تحت الشمس، وتسمع في الليل خريره كأنه جزء من نوم الناس. لكن النهر، في موسم لم ينسه أحد، خرج من مجراه، واندفع على البيوت الواطئة كأنه يسترد شيئاً قديماً. تهدمت الجدران، وسقطت الأسقف، وجرفت المياه ما استطاعت إليه سبيلاً، ولم يجد أهل القرية إلا التلال ملجأً جديداً.
صعدوا إليها بما استطاعوا حمله.
تركوا وراءهم أبواباً بلا بيوت، وذكريات غمرها الطين. لذا بنى الناس بيوتاً جديدة، تشبه القديمة في فقرها، وتختلف عنها في شيء واحد: أنها صارت تحمل خوفاً إضافياً من الماء.
لم تصل الكهرباء إلى تلك التلال، ولم تصل إليها شبكة الماء. كانت الفوانيس النفطية تضيء الغرف في الليل بضوء أصفر واهن، وكانت الدواب تهبط صباحاً إلى النهر، وتعود محملة بالقِرَب.
وكان بين البيوت، في الجهة الجنوبية من القرية، سقف واسع مفتوح من إحدى جهاته، يستند إلى جذع شجرة غليظ ممتد في مقدمة الجدارين. اتخذ منه القصاب موضعاً لعمله. من ذلك الجذع كانت تتدلى خطاطيف حديدية، يعلق عليها أجزاء الذبائح بعد سلخها وتقطيعها. وفي وسط المكان جذع آخر، دائري عريض، قص على هيئة طاولة، ثبت في الأرض حتى لا يتحرك تحت ضربات الساطور.
كان القصاب يبدأ عمله منذ الصباح. رجل قوي البنية، عريض المنكبين، مفتول الساعدين، صلب القسمات. لفحت شمس القرية وجهه حتى صار بلون الأرض التي يمشي عليها. كانت ملامحه قاسية بما يكفي لتوحي بأن الحياة لم تمنحه كثيراً من الأسباب كي يبتسم.
كان يرتدي دشداشة مقلمة، تتناثر عليها بقع الدم القديمة والجديدة، كأنها سجل صامت لأيام طويلة من الذبح. يمسك الساطور بيد ثابتة: ضربة، ثم أخرى. وكان اللحم يستجيب للحديد بلا مقاومة، أحياناً، حين يرفع الساطور فوق رأسه، كان يتوقف لحظة قصيرة، ينظر إلى النصل، ثم يقول في داخله:
- إلى متى أكون فاصلاً بين الحياة والموت؟ ثم يهوي الساطور.
في ذلك الصباح، كان الكبش يقف في الحظيرة، يضرب الأرض بحافره، ويحرك رأسه بين حين وآخر، كأنه يشعر بأن شيئاً ينتظره. كان كبشاً سميناً، ممتلئ الجسد، أبيض الصوف، قوي القرنين. نظر إليه القصاب طويلاً، قال في نفسه:
- لو ذبحته هنا، من سيشتري كل هذا اللحم؟ القرية صغيرة، والناس بالكاد يشترون حاجتهم.
ثم مد يده إلى الحبل المربوط في عنقه، أخرجه إلى الطريق. كان يعرف أن سوق القضاء أوسع، وأن التجار هناك يدفعون أكثر. قاد الكبش مسافة طويلة حتى بلغ السوق. اجتمع حوله أكثر من تاجر، كان كل واحد منهم يقلبه بعينه، يتحسس ظهره، ينظر إلى قوائمه، ثم يسأل عن السعر. لكن القصاب كان يطلب مبلغاً مرتفعاً، حينها قال أحد التجار:
- هذا كثير.
أجابه:
- الكبش يستحق.
قال آخر:
- السوق لا يرحم، يا رجل.
فرد القصاب:
- وأنا أيضاً لا أستطيع أن أبيع بخسارة.
ظلوا يساومونه حتى تعب. وكان بين الواقفين رجل يعرفه جيداً؛ قصاب آخر من الجهة الشمالية من القرية، قال له:
- أعطني إياه بهذا السعر.
هز القصاب رأسه:
- لا.
- زد قليلاً.
- لا أستطيع.
- إذن لن أشتري.
أمسك القصاب بحبل الكبش وعاد به إلى القرية. في الطريق، كان الكبش يمشي خلفه مطيعاً، بينما كان الرجل غارقاً في حساباته: ربما أخطأت... ربما كان علي أن أقبل بالسعر...
ثم نظر إلى الكبش:
- لا، سأنتظر.
أدخله الحظيرة، وأغلق الباب، ثم خرج لقضاء بعض أعماله. لم يكن القصاب الثاني بحاجة إلى كثير من التفكير. حين عرف أن الرجل خرج من بيته، اتجه إلى هناك. دخل الحوش، فوجد ابن القصاب.
قال له: أين أبوك؟
أجابه الصبي: خرج.
اقترب الرجل من الحظيرة، نظر إلى الكبش. ثم قال:
- لقد اتفقت مع والدك على شرائه.
رفع الابن عينيه إليه: هل اشتريته؟
ابتسم الرجل: نعم
لم يكن الصبي يعرف شيئاً عن مساومة السوق، ولا عن السعر، ولا عن رفض أبيه. كان يعرف فقط أن الرجل قصاب، وأنه جاء لشراء الكبش. لذا فتح باب الحظيرة، وأمسك بالحبل، وأخرج الكبش، قال الرجل:
- أعطني إياه.
ناولَه الحبل، مشى الرجل بالكبش نحو الجهة الشمالية. ظل الصبي واقفاً عند الباب يتابعه، لم يخطر في باله أن ما فعله يمكن أن يتحول بعد ساعات إلى كارثة.
حين عاد القصاب إلى بيته، كان المساء قد بدأ يهبط على القرية، وكعادته، لم يدخل البيت قبل أن يطمئن على دوابه. ذهب إلى الحظيرة، فتح الباب. توقف، كانت الحظيرة فارغة، حدق فيها طويلاً، ثم نظر حوله، ربما أخطأ المكان. عاد خطوة إلى الوراء، نظر إلى الباب، ثم إلى الغرفة التي يتوقع تواجد ابنه فيها. ارتفع صوته:
- أين الكبش؟
لم يجب أحد، صاح مرة أخرى:
- أين الكبش؟
خرج ابنه الأكبر مسرعاً. كان يعيش منذ سنوات على إيقاع الخوف من أبيه. كان يستطيع أن يعرف غضبه من طريقة مشيه، وأن يميز صمته الغاضب من صمته العادي. وحين رأى وجهه، شعر بأن شيئاً بارداً يسري في جسده.
قال الأب:
- قلت: أين الكبش؟
فتح الابن فمه، ثم أغلقه. لا يعرف ماذا يقول، إن قال الحقيقة سيغضب، وإن سكت سيغضب. لكن الأب لم يمنحه وقتاً:
- تكلم.
قال بصوت خافت:
- أخذه فلان.
تغير وجه الرجل.
- أخذه؟
ثم انهالت الضربات. رفع الابن ذراعيه ليحمي رأسه:
- أبي، اسمعني.
لكن الضرب كان أسرع من الكلام، أراد أن يقول له بأن الرجل ادعى أنه اشتراه. ضربة أخرى.
- كيف تبيع شيئاً دون أن تسألني؟
- لم أكن أعرف...
ثم سقط الصبي على الأرض. ساد صمت قصير، كان القصاب يلهث. نظر إلى ابنه الملقى أمامه، للحظة، كاد شيء ما يتحرك في داخله. لكن الغضب كان أسرع.
لذا قال:
- قم، وأعد الكبش.
رفع الصبي عينيه إليه، اراد أن يقول كيف؟ لكنها لم تعد تخرج.
قال الأب:
- أعده الآن.
خرج الصبي. كان الطريق إلى الجهة الشمالية طويلاً. التراب تحت قدميه، والسماء فوقه بدأت تفقد لونها. كان يمشي سريعاً، والدموع تنزل من عينيه دون أن يشعر: ماذا سأقول له؟ هل سعيد الكبش؟ وإذا كان قد ذبحه؟
توقف لحظة:
- لا، لا بد أنه ما زال لم يذبحه.
ثم عاد يمشي: ربما هو في الحظيرة، ربما أعود به، وينتهي كل شيء.
كان يحاول أن يصنع لنفسه نهاية بسيطة: كبش يعود، أب يهدأ، بيت يستعيد صمته. لكنه حين وصل، توقف. كان المكان مختلفاً، رائحة الدم سبقت عينيه.
رفع رأسه. هناك، كانت الخطاطيف تتدلى من جذع شجرة، وكانت قطع اللحم معلقة عليها. توقف في مكانه، لم يستطع أن يتحرك. وعلى الطاولة الخشبية كان الساطور ملقى جانباً، وعلى الأرض رأس الكبش.
اقترب الرجل القصاب منه، قال الصبي بصوت مرتجف:
- عمي...
لم يجب الرجل.
- أبي يريد الكبش.
نظر القصاب إلى اللحم المعلق، ثم نظر إلى رأس الكبش. وبهدوء غريب، انحنى، والتقط الرأس، وضعه في كيس. ثم قال:
- هذا هو الكبش.
حدق الصبي فيه:
- لكن أبي يريد...
قاطعه الرجل:
- خذه.
أمسك الصبي بالكيس. كان ثقيلاً، رغم أن ما فيه لم يكن سوى رأس. خرج، وفي الطريق، لم يعد يعرف ماذا يحمل: هل أحمل الكبش؟ أم أحمل خطئي؟ أم أحمل رأساً لا يستطيع أن يقول شيئاً؟
ثم جاءه خاطر مرعب: ماذا سيقول أبي حين يراه؟
أسرع في السير. كان الأب واقفاً عند الباب، ينتظر، وما إن رأى ابنه حتى تقدم نحوه.
- أين الكبش؟
خفض الابن رأسه، لم يجب.
- أين الكبش؟
ظل صامتاً، كان الكيس في يده، نظر الأب إليه، عرف أنه رأس الكبش:
- أين الكبش؟
ارتجفت شفتا الابن، رفع الكيس قليلاً. ثم فتح الأب الكيس، نظر إلى الرأس. تجمد، ظل صامتاً لحظة، ثم رفع عينيه إلى ابنه. أخذ الصبي يبكي، لكن الأب بدأ يصرخ:
- أريد الكبش!
ارتجف الصبي، عاد الأب إلى ضربه: ضربة، ثم أخرى، حتى سال الدم من وجهه. كان الصبي يحاول أن يحمي نفسه، بينما الكيس سقط من يده. تدحرج الرأس على الأرض، نظر إليه الصبي، ثم إلى أبيه، وفي داخله كان صوت صغير يصرخ: أنا لم أذبحه، أنا لم أبع شيئاً، أنا فقط سلمت الحبل. لكن صوته لم يخرج، لأن بعض الحقائق، حين يصبح الخوف أكبر منها، تموت قبل أن تصل إلى الفم.
في تلك الليلة، نامت القرية تحت ضوء الفوانيس كالعادة، لكنها كانت تسمع صوت بكاء خافت. أما في الخارج، ظل رأس الكبش قرب الباب.
في الصباح، خرج القصاب. وقف طويلاً أمام الحظيرة الفارغة، ثم رفع عينيه نحو الطريق، لم يكن الكبش هناك. نظر إلى رأس الكبش، ثم إلى ابنه الذي كان يجلس بعيداً، وقد لف وجهه بقطعة قماش.
قال في نفسه:
- أين ذهب الكبش؟
ولأول مرة لم يجد جواباً. كان الطريق إلى النهر يمتد بعيداً، بين التلال والسهل. وفي مكان آخر خلف القرية، كان الحبل الذي قاد الكبش ما لا يزال ملقى على التراب، تحرك قليلاً مع الريح، ثم سكن.
أما الصبي، فحمل في داخله منذ ذلك اليوم شيئاً لم يستطع أحد أن يراه، شيئاً يشبه كبشاً لا يزال حياً، يمشي بعيداً، ولا يعود.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: اللعبة التي لم تنتهِ


المزيد.....




- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش