أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب














المزيد.....

قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 09:10
المحور: الادب والفن
    


لم يكن بحاجة إلى بيتٍ بقدر حاجته إلى ما يمثله البيت. إذ كان يسكن غرفةً صغيرة في بيت والده، يأكل ويخرج ويعود دون أن يشعر بضيق المكان، لكن ضيقاً آخر كان ينهش روحه كلما رأى زملاءه يتحدثون عن البيوت التي خصصتها لهم الشركة. كانوا يتحدثون بثقة، وكأن مفتاح الدار شهادةٌ جديدة على الرجولة والنجاح. أما هو، فكان يشعر أن نظراتهم تمر فوقه دون أن تستقر.
قال في نفسه:
- أيعقل أن أبقى الوحيد بينهم بلا بيت؟
كان نظام الشركة واضحاً؛ لا دار إلا للمتزوجين بعقدٍ مصدّق من المحكمة الشرعية.
ضحك بمرارة:
- إذن، زواج من أجل مفتاح باب.
ظل أياماً يقلب الأمر بين يديه، حتى جاءته الفكرة من زاوية لم يكن يتوقعها. همس لزوجة أخيه، وبعد تردد طويل وافقت، ربما بدافع المجاملة، وربما لأنها لم تدرك أن بعض الأكاذيب تنمو حتى تصبح وطناً كاملاً.
كانت الخطة بسيطة، لكنها شديدة الخطورة. سرقت زوجة أخيه البطاقة الموحدة لابنة الجيران بخفة منقطعة النظير نظرا لتلك الثقة التي كانوا يمنحونها لها.
وفي صباح اليوم التالي دخلا المحكمة. وقف هو صامتاً، بينما وقفت زوجة أخيه في المكان المخصص لها، تخفي وجهها بعباءة سوداء.
سأل القاضي الأسئلة المعتادة.
ـ هل قبلتِ؟
قالت بصوت خافت:
ـ قبلت.
ثم التفت إليه:
ـ وهل قبلت؟
أجاب بسرعة، كأنه يخشى أن يسبقه ضميره:
ـ قبلت.
في دقائق معدودة، خرجا يحملان عقد زواج لم يكتبه قلب، بل كتبته الرغبة في امتلاك بيت.
وبعد أسابيع، استلم الدار. كان كلما مر أمام زملائه يرفع رأسه قليلاً، ويشعر أن الجدران الجديدة قد رفعت قامته معهم.
لكن شيئاً في داخله ظل يهمس:
- وما بعد ذلك؟
مرت الأشهر. بهتت الحكاية في ذاكرة القليلين ممن يعلمون بعقد الزواج، حتى جاء اليوم الذي تقدّم فيه شاب لخطبة ابنة الجيران. إذ دخلت الفتاة المحكمة لاستخراج بيان حالتها الاجتماعية، فخرج الموظف ينظر إليها باستغراب. حيث قال:
ـ أنتِ متزوجة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ابتسمت ظناً منها أنه يمزح. لكن الموظف وضع أمامها نسخةً من العقد.
كان اسمها...
ورقم بطاقتها...
وتوقيع المحكمة... أما زوجها المفترض، فلم تكن تعرفه إلا بوصفه جاراً يمر أحياناً في آخر الدرب الترابي.
في تلك اللحظة، سقطت السنوات الثلاث كلها دفعةً واحدة. أما الرجل، فقد شعر لأول مرة أن البيت الذي تفاخر به لم يكن ومع قرارة نفسه سوى خطأ يتكرر معه كل يوم. لذا راح هاجس يحدثه:
- كم من البيوت تبدو عامرة، لكنها مبنية على غياب أصحابها الحقيقيين؟
خارج المحكمة، كانت الريح تعبث بأوراق الأشجار، راقبها طويلاً. بعض الأوراق كانت تسقط بإرادتها مع تبدل الفصول، وأخرى كانت تُنتزع بقوة ريحٍ جاءت من جهةٍ بعيدة، حتى خُيّل للأغصان أن الريح صارت جزءاً من جذورها.
ابتسم ابتسامةً شاحبة، ولم يعرف أكان يخشى انكشاف العقد في شركته... أم يخشى أن يصبح الكذب، مع طول الزمن، حقيقةً لا يجرؤ أحد على مراجعتها.
ترك المحكمة، وسار نحو بيته. كان المفتاح لا يزال في جيبه... لكن الباب للمرة الأولى، بدا غريباً عنه مع أنه أخذ يتلمسه بين فترة وأخرى، ليتأكد أنه لا زال يمتلك ذلك البيت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى


المزيد.....




- من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا ...
- مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
- 27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
- سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
- افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان ...
- استطلاع.. الأفلام السوفيتية التي ينتظر الجمهور مشاهدة نسخ جد ...
- 45 دولاراً لدور بطولة.. هل يُطيح الذكاء الاصطناعي بالممثلين ...
- طرزان: -ظننت أن ثعبانا حديديا ابتلعني-!
- رواية اقتبس عنوانها من آية قرآنية تتحول إلى فيلم سينمائي
- فنانون روس يشاركون في مهرجان -الفيل الذهبي- بإسبانيا لأول مر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب