أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز (الجزء الثاني)















المزيد.....

حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 00:27
المحور: الادب والفن
    


وحين يتخذ الحب شكل التضحية، تدخل شخصية ماجد الرواية إلى منطقة أخرى من جدلية الانتماء والموت. فهو ليس محارباً بالمعنى التقليدي وحده، وإنما إنسان يحاول أن يحمي الآخرين ولو على حساب نفسه.
وحين تفهم دانه لاحقاً أن ما ظنته خيانة لم يكن إلا فعل تضحية لحماية امرأة تعرضت للاغتصاب والإهانة، تتغير دلالة الحب في الرواية. يصبح ماجد ضحية لمفهوم أخلاقي يرى أن حماية الإنسان وكرامته قد تتطلب من الفرد أن يدفع من حياته وحبه الخاص.
وهنا تتداخل الخيانة والوطن والحب والموت في شبكة واحدة؛ فكما يمكن للوطن أن يخون أبناءه، يمكن للإنسان أن يُساء فهم تضحيته، ويمكن للحب نفسه أن يتحول إلى جرح. ولعل أكثر ما يوجع في شخصية ماجد أنه لا يموت مرة واحدة؛ بل يموت في ذاكرة دانه مرات عديدة: مرة حين تفقده، ومرة حين تظنه خائناً، ومرة حين تعرف الحقيقة.
هنا يصبح عنوان الرواية أكثر وضوحاً. الخندق بوصفه حالة وجودية، فهو ليس مجرد مكان يحتمي فيه الجندي، بل إنه الأسرة التي تحاول أن تحمي أبناءها، وهو البيت الذي يتحول إلى ملاذ، وهو الذاكرة التي يحتمي بها الإنسان من النسيان، وهو الحب الذي يحاول أن يحمي الروح من الخراب، وهو الوطن نفسه حين يصبح الإنسان مضطراً إلى الاحتماء منه ومن الآخرين في الوقت ذاته.
وهذا ما يجعل عنوان المقال "حين يصبح الوطن خندقاً" عنواناً كاشفاً؛ لأن الخندق عادةً يفصل بين الإنسان والخطر، لكن الرواية تجعل الوطن نفسه واقفاً على جانبي الخندق: يحميك أحياناً، ويهددك أحياناً أخرى.
وفي هذا السياق تبدو عبارة "إيزابيل الليندي" التي تستشهد بها الرواية ذات دلالة عميقة:
"داخل الإنسان احتياطي غير متوقع من القوة يظهر حين تختبره الحياة بقسوة"
فالرواية، رغم كثافة الموت، ليست رواية استسلام. إنها رواية عن القدرة على النهوض بعد السقوط. دانه تفقد مزاحم، ثم بيرق، ثم أمها، ثم ماجد، ثم تواجه النزوح والخوف، لكنها تعود إلى الحياة، إلى التعليم، إلى العمل، إلى الطفل، وإلى الوطن.
في سياق آخر، من أهم التحولات الفكرية في الرواية أن دانه تصل في النهاية إلى قناعة مفادها أن الدفاع عن الوطن لا يحتاج دائماً إلى بندقية. فعند وقوفها أمام صور شهداء تشرين، تستعيد معنى الوطن، وتكتشف أن الكلمة والقصيدة والأغنية والهتاف يمكن أن تكون أسلحة للدفاع عنه. وهنا تنقل دلة الرواز روايتها من خندق البندقية إلى خندق الكلمة. وهذا انتقال مهم جداً؛ لأن الرواية نفسها تصبح فعل مقاومة: الكاتبة تكتب عن الذين ماتوا، عن الذين نزحوا، عن الذين فقدوا بيوتهم، وعن الذين ظلوا رغم كل شيء يحلمون بوطن.
ولذلك يمكن أن نستحضر قولاً فلسفياً منسوباً إلى "ألبير كامو" في جوهر فكره عن المقاومة:
"إن مقاومة العبث تبدأ حين يرفض الإنسان أن يقبل به بوصفه قدراً نهائياً"
والرواية تفعل ذلك تحديداً؛ فهي لا تنكر المأساة، لكنها ترفض أن تجعلها الكلمة الأخيرة.
تبدو الرواية في ظاهرها شديدة القسوة على الوطن، بل إن صفحاتها الأولى تطرح سؤالاً صادماً عن إمكان أن يتبرأ الإنسان من وطنه الذي اغتال إنسانيته، لكن الرواز لا تنتهي إلى كراهية الوطن، وهنا تكمن أهمية البناء التأملي للرواية.
فدانه، بعد كل ما حدث، تصل إلى نتيجة مختلفة: المشكلة ليست في الوطن ذاته، وإنما في الذين يمثلونه ويشوّهون معناه. ولذلك تتصالح مع العراق من جديد، وتكتشف أن الوطن يمكن أن يبقى حياً ما دام هناك من يحبه ويحترم معنى الانتماء إليه.
وهذا التحول يمنع الرواية من السقوط في خطاب اليأس؛ فالوطن ليس السلطة، وليس الحرب، وليس الخندق، وليس الجلاد. الوطن في النهاية قيمة أخلاقية وروحية يعيد الإنسان بناءها كلما تهدمت. وهنا يكتمل معنى بيت "المتنبي" الذي تم الاستشهاد به في بداية المقال:
"بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ ..... وأهلي وإن شحوا عليَّ كرامُ"
لكن دلة الرواز تضيف إلى هذا المعنى سؤالاً أكثر حداثة: هل نستطيع أن نحب الوطن من دون أن نقدس أخطاء الذين يحكمونه؟
والرواية تجيب ضمنياً: نعم؛ لأن حب الوطن الحقيقي قد يكون أحياناً في رفض ما يُرتكب باسمه.
في النهاية، لا تتركنا "وطن الخنادق" أمام وطن واحد، بل أمام أوطان متعددة: وطن مزاحم الذي مات من أجل فكرة، ووطن بيرق الذي عاش ليحمل جثمان أخيه، ووطن دانه الذي بدأ بيتاً صغيراً ثم اتسع ليشمل الذاكرة والحب والأم والأب والطفل، ووطن ماجد الذي تحول إلى تضحية، ووطن حمد الذي ظل يبحث عن نافذة للنجاة، ووطن الشهداء الذين اختصروا الوطن في كلمة صادقة.
وعندما تصل دانه إلى نهايتها المأساوية، وهي تودع حمد وتقول له إنه سيجد وطناً آمناً، وإنها لم تكن سوى بقايا وطن محتَل، تبلغ جدلية الانتماء والموت ذروتها؛ فالموت هنا لا يعني الانطفاء فقط، وإنما يحمل سؤالاً أخيراً عن الوطن الذي يستحق أن يموت الإنسان من أجله.
لقد بدأت الرواية بحلم وطن بلا رصاص، وانتهت بامرأة تقتلها الرصاصات، لكنها لا تقتل الوطن الذي استقر في أعماقها. وهنا تكمن مفارقة العنوان: حين يصبح الوطن خندقاً، لا يعود السؤال: هل نموت من أجله؟ بل: أي وطن نريد أن نحيا من أجله؟
فالخندق يحمي الجسد، لكنه لا يستطيع حماية الروح إلى الأبد. والوطن الذي يتحول إلى خندق يضع أبناءه أمام خيارين قاسيين: أن يموتوا دفاعاً عنه، أو أن يموتوا وهم يحاولون النجاة منه. غير أن دلة الرواز تفتح في الجدار ثغرة ثالثة؛ هي إعادة بناء الوطن بالذاكرة والكلمة والحب والتعليم والكرامة.
وهكذا لا يكون الموت خاتمة الرواية، بل يصبح سؤالها الأكبر، ولا يكون الانتماء خلاصاً دائماً، بل امتحاناً أخلاقياً: أن تحب وطنك دون أن تخون إنسانيتك، وأن تدافع عنه دون أن تتحول إلى نسخة من جلاديه، وأن تؤمن به حتى عندما يخذلك، ثم تعود فتبحث عن وطن آخر داخل الوطن نفسه.
ولعل صورة دانه وهي تبني بيتها من الرمل ثم يأتي الموج فيهدمه، قبل أن تعود إلى البناء، تختصر الرواية كلها: قد يهدم الموج البيت، وقد تهدم الحرب المدينة، وقد يهدم الموت الإنسان، لكن ما دام هناك من يعيد البناء، فإن الوطن لم يمت بعد.
ذلك هو وطن "وطن الخنادق": وطنٌ قد يتحول إلى خندق، وقد يصير الخندق قبراً، لكن الحلم به يظل أوسع من الخندق، وأبقى من القبر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: اطيافُ الماضي (الجزء الأول)


المزيد.....




- رحيل دوللي بارتون ملكة موسيقى -الكانتري- وصاحبة الإرث الإنسا ...
- رحيل الفنان الفلسطيني سليمان منصور: كواليس أيقونة -جمل المحا ...
- ترامب يأمر بتنكيس الأعلام أسبوعا حدادا على وفاة النجمة دوللي ...
- الممثلة اليهودية هانا إينبيندر تدافع عن مارك رافالو بعد اتها ...
- وفاة دولي بارتون -ملكة موسيقى الكانتري-
- -ما وراء الاستشراق-.. كيف نُعيد بناء اللقاء الحضاري بعيداً ع ...
- وفاة أسطورة موسيقى الكانتري الأمريكية دولي بارتون عن 80 عاما ...
- معتصم النهار يراهن على الكوميديا والدراما الاجتماعية في رمضا ...
- بيان مشترك | مصر: حان الوقت لإطلاق سراح المخرج عمر صلاح مرعي ...
- كبرنا وكبر الكرتون.. هل كان الضحك كافيًا أم بات لا يضحكنا شي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز (الجزء الثاني)