أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز (الجزء الأول)















المزيد.....

حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 00:27
المحور: الادب والفن
    


ليست علاقة الإنسان بالوطن علاقة جغرافية محضة، كما أنها ليست مجرد ارتباط باسمٍ يُكتب في الهوية أو بخريطة تحددها الحدود. الوطن، في أعمق معانيه، هو ذلك المكان الذي تتشكل فيه الذاكرة، وتنمو فيه الأحلام، وتتأسس فيه علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. ولذلك يبدو الانتماء في جوهره فعلاً وجودياً؛ فالإنسان لا يبحث عن أرض يسكنها فحسب، بل عن مكان يشعر فيه أن وجوده له معنى، وأن حياته ليست عابرة فوق تراب لا يعرفه.
لكن ماذا يحدث حين يتحول الوطن من فضاء للحماية إلى فضاء للخوف؟ وحين يصبح الانتماء إليه امتحاناً دائماً، يدفع الإنسان ثمنه من أمنه وحريته وكرامته، بل من حياته؟ هنا تتولد المفارقة الكبرى: الوطن الذي يفترض أن يكون ملاذاً يصبح خندقاً، والانتماء الذي يفترض أن يمنح الإنسان الأمان يصبح طريقاً إلى الموت.
من هذه المنطقة الشائكة تدخل الكاتبة دلة الرواز إلى عالم روايتها "وطن الخنادق"، فلا تقدم الحرب بوصفها مواجهة بين جبهتين عسكريتين فقط، وإنما تجعلها حالة ممتدة إلى داخل الإنسان؛ حرباً على الذاكرة، والحلم، والحب، والهوية، وحتى على معنى الوطن نفسه.
وتبدأ الرواية من سؤال شديد القسوة: كيف يمكن لإنسان أن يحلم بوطن بلا رصاص، وسماء بلا دخان، وفرح بلا قتلى، ثم يجد نفسه مضطراً إلى دفع ضريبة الانتماء؟ إن هذا الحلم يظهر مبكراً في الرواية بوصفه حلماً بسيطاً ومتواضعاً: بيت آمن، حياة مستقرة، وطن لا ينزف شبابه كل يوم.
وهنا تتجاوز الرواز الحكاية الفردية لتضع يدها على جرح جمعي؛ فالحرب في الرواية لا تقتل الجسد وحده، وإنما تستنزف المعنى الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. ولذلك تستحق العبارة التي تفتتح بها الرواية، والمأخوذة عن "جون وليامز"، أن تكون عتبة دلالية للنص:
"الحرب لا تقتل الشباب وحدهم، وإنما تقتل شيئاً في الشعوب لا يمكن استعادته"
فحين يتحول حب الوطن إلى تهمة، يأتي مزاحم بوصفه أحد أكثر شخصيات الرواية تعقيداً من الناحية الفكرية. فهو ليس خائناً في وعيه، بل على العكس؛ إنه يحلم بوطن أكثر حرية وعدلاً، ويتطلع إلى أن يكون المواطن قادراً على التعبير عن رأيه. لقد دفعته قراءاته وتجربته إلى مساءلة الواقع الذي يعيش فيه، ولذلك أصبح مختلفاً عن المحيطين به.
وهنا تضعنا الكاتبة أمام سؤال فلسفي بالغ الأهمية:
"متى يتحول حب الوطن إلى جريمة؟ ومن يمتلك الحق في تحديد صورة المواطن الوطني؟"
مزاحم يرى الوطن من زاوية الحلم، بينما يرى بيرق الوطن من زاوية الخوف عليه. الأول يريد إصلاحه، والثاني يريد حماية أخيه منه. وبين الاثنين تنفتح الهوة التي ستبتلع مزاحم.
وتصبح المفارقة أكثر قسوة حين يقول مزاحم لأخيه، في لحظة صراع فكري:
"إن وطناً لا يستطيع أن يمنح أبناءه الخبز والماء لا يمكن أن يكون الوطن الذي يُراد له أن يكون"
وفي المقابل يحذره بيرق من أن الطريق الذي يسلكه قد يقوده إلى السجن أو الإعدام. إنها هنا ليست مواجهة بين أخوين، بل بين مفهومين للوطن: وطنٍ يحلم الإنسان بإصلاحه، ووطنٍ يخاف الإنسان أن يفقده. ومن هذه الزاوية يمكن استحضار مقولة "جان جاك روسو" الشهيرة:
"الإنسان يولد حراً، ومع ذلك فهو في كل مكان مكبل بالأغلال"
وهي مقولة تنطبق بصورة لافتة على مأساة مزاحم؛ إذ لا تكمن مأساته في أنه فقد حريته فقط، بل في أن محاولته استعادة معنى الحرية جعلته يصطدم بالمنظومة التي تحيط به. ولذلك يبدو إعدامه لاحقاً نتيجة طبيعية لذلك الصراع المرير بين الفكرة والسلطة، وبين الانتماء والاختلاف. والأكثر إيلاماً أن مزاحم لم ينكر التهمة، لأنه كان مؤمناً بما فعل، فذهب إلى الموت وهو يحمل تصوراً عن الوطن يختلف عن تصور الذين حكموا عليه.
وحينما يطعن الوطن أبناءه، إذا كان مزاحم يمثل الإنسان الذي يموت من أجل فكرة، فإن بيرق يمثل الإنسان الذي يعيش بعد الموت حاملاً تبعات الفكرة. إنه الطيار الذي أفنى عمره في الدفاع عن الوطن، وفقد والديه بسبب الحرب، وتحمل مشاق الحياة كي يرعى أخاه. ثم يأتي اليوم الذي يُطلب منه فيه أن يتسلم جثمان أخيه المعدوم بوصفه خائناً للوطن. هنا تبلغ المفارقة ذروتها: الرجل الذي أمضى حياته في الدفاع عن الوطن يصبح شقيق الخائن، والوطن الذي حارب من أجله يتحول إلى سلطة تعاقبه على صلة الدم.
وحين يصل بيرق إلى المقبرة، يقول لحفار القبور إنه جاء يبحث عن قبر يتسع لوطن كامل. إنها واحدة من أكثر لحظات الرواية كثافة رمزية؛ فالموت لم يعد موت مزاحم وحده، وإنما أصبح موتاً لمعنى الوطن الذي كان بيرق يؤمن به.
وهنا تستعيد الرواز العلاقة بين القبر والخندق: كلاهما حفرة في الأرض، لكن الخندق في بدايته يُحفر لحماية الحياة، بينما القبر يُحفر لاستقبال الموت. وحين يقول بيرق إنه يبحث عن قبر يتسع لوطن، تكون الرواية قد نقلت الوطن من خارطة الجغرافيا إلى جغرافيا الموت. وهذا يذكرنا بالبيت الشعري الشهير:
"بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ
وأهلي وإن شحوا عليَّ كرامُ"
غير أن دلة الرواز في وطن الخنادق، تضع هذا البيت أمام اختبار قاسٍ: إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يحب وطناً جار عليه؟ وهل يبقى الانتماء فضيلة حين يتحول الوطن إلى مصدر للأذى؟
ثم تتسع الرواية بعد ذلك لتقدم شخصية دانه، التي تصبح مع مرور الأحداث مركزاً دلالياً للرواية كلها. فدانه طفلة تبدأ علاقتها بالوطن من البيت، ومن الموصل، ومن تفاصيل صغيرة: الجدران، النخيل، دجلة، رائحة المكان، الأهل. وعندما تضطر إلى الرحيل، تكتب اسمها على جدران بيتها وكأنها تحاول أن تترك جزءاً منها هناك. ثم تصل إلى الفاو، فتبدأ ببناء بيت من الرمال، وكلما جاء الموج وهدمه أعادت بناءه.
وهنا تقدم الكاتبة واحدة من أجمل استعارات الرواية: بيت الرمل يصبح صورة للوطن. إذ تبني دانه، فيهدم الموج، ثم تعود إلى البناء. وكأن الوطن في وعيها ليس شيئاً جاهزاً نرثه، وإنما شيء نعيد بناءه بعد كل انهيار. وهذه الفكرة تتأكد حين تقول الرواية إن البيت وطن صغير، وإن الوطن الكبير ليس إلا مجموع تلك الأوطان الصغيرة التي نشأنا فيها.
إنها رؤية تتجاوز الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا العاطفية؛ فالوطن هنا ليس فقط العراق، بل البيت، والأب، والأم، والذاكرة، والحبيب، والطفل، والشاطئ، وحتى الخبز الذي يُخبز في التنور.
لكن الرواز لا تسمح لهذا المفهوم الرومانسي أن يستمر طويلاً؛ إذ يعود الوطن في الرواية ليظهر بوصفه مصدراً للخذلان. حين يضطر بيرق وأسرته إلى الرحيل، لا يكون الرحيل مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل اقتلاعاً من الذاكرة. وتقول دانه:
"إنهم لم يحملوا معهم من الموصل إلا حقائب الملابس، بينما تركوا البيت والتاريخ والذكريات"
وهنا يمكن استحضار تصور "مارتن هايدغر" للموت بوصفه ليس مجرد نهاية بيولوجية، وإنما تجربة تكشف للإنسان حقيقة وجوده. فالرواية تجعل الموت متغلغلاً في الحياة قبل أن يأتي بوصفه نهاية للجسد: موت الوطن، موت البيت، موت الأمان، موت الأحلام، ثم موت الأشخاص. ولهذا تقول دانه:
"إن الموت الحقيقي ليس توقف القلب، وإنما أن تتوقف الروح عن حب الحياة ولا ترى فيها سوى الظلم والجور" إنه تعريف يجعل الموت حالة روحية قبل أن يكون حالة جسدية.
وحين يتخذ الحب شكل التضحية، تدخل شخصية ماجد الرواية إلى منطقة أخرى من جدلية الانتماء والموت. فهو ليس محارباً بالمعنى التقليدي وحده، وإنما إنسان يحاول أن يحمي الآخرين ولو على حساب نفسه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- قصة قصيرة: إلى أين نمضي؟
- قصة قصيرة: ناقوسُ الذكرى
- قصة قصيرة: اطياف الماضي (الجزء الثاني)


المزيد.....




- رحيل دوللي بارتون ملكة موسيقى -الكانتري- وصاحبة الإرث الإنسا ...
- رحيل الفنان الفلسطيني سليمان منصور: كواليس أيقونة -جمل المحا ...
- ترامب يأمر بتنكيس الأعلام أسبوعا حدادا على وفاة النجمة دوللي ...
- الممثلة اليهودية هانا إينبيندر تدافع عن مارك رافالو بعد اتها ...
- وفاة دولي بارتون -ملكة موسيقى الكانتري-
- -ما وراء الاستشراق-.. كيف نُعيد بناء اللقاء الحضاري بعيداً ع ...
- وفاة أسطورة موسيقى الكانتري الأمريكية دولي بارتون عن 80 عاما ...
- معتصم النهار يراهن على الكوميديا والدراما الاجتماعية في رمضا ...
- بيان مشترك | مصر: حان الوقت لإطلاق سراح المخرج عمر صلاح مرعي ...
- كبرنا وكبر الكرتون.. هل كان الضحك كافيًا أم بات لا يضحكنا شي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز (الجزء الأول)