أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وجه من الحرب














المزيد.....

قصة قصيرة: وجه من الحرب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 03:28
المحور: الادب والفن
    


كان النهار يمضي ببطء، كأن الزمن نفسه قد علق في ذلك المكان. خارج المقر امتدت الأرض اليابسة تحت سماء مثقلة بالغبار، فيما ظلت آثار الحرب حاضرة في كل شيء؛ في السواتر الترابية، وفي الآليات الصامتة، وفي ذلك السكون الذي لم يكن يعني بالضرورة غياب الخطر.
حضر عبد المهدي ضابط التوجيه المعنوي، إلى الوحدة برفقة مقدم اللواء. كان عبد المهدي، بحكم طبيعة عمله، يبدو هادئ الأعصاب، مرتب الملامح، يتحدث بثقة تكاد تمنح كلماته سلطة خاصة. لم تكن شمس الصيف اللاهبة قد تركت على وجهه ما تركته على وجوه الآخرين، وكان في حضوره شيء يوحي بأنه جاء حاملاً إجابة جاهزة عن كل ما يمكن أن تطرحه الحرب من أسئلة.
جلس وكيل آمر الوحدة يستمع إليه. إذ كان الآمر في إجازة دورية، ولذلك وجد نفسه مضطراً إلى القيام بدور المستمع. يهز رأسه بين حين وآخر، ويترك لعبد المهدي مساحة واسعة للكلام، فيما كان مقدم اللواء يجلس إلى جانبهما صامتاً، واضعاً إصبعه أسفل ذقنه، كأنه يصغي، أو يتظاهر بالإصغاء.
قال عبد المهدي:
- إن أصعب ما يمكن أن تواجهه الوحدات في مثل هذه الظروف هو ضعف المعنويات. السلاح مهم، والخطط مهمة، لكن الإنسان هو الذي يمنح كل ذلك معناه.
ظل الوكيل صامتاً. كان يسمع الكلمات، لكنه لم يكن حاضراً فيها تماماً. فقد كانت نافذة أخرى قد انفتحت في داخله؛ نافذة تطل على أيام بعيدة، على دخان يتصاعد في السماء، وعلى صور لم تعد تفارق ذاكرته. تذكر أن الحرب، في بدايتها كانت واضحة. وكان الخوف واضحاً، والعدو واضحاً، وحتى فكرة النجاة كانت واضحة.
أما الآن، فقد تغير كل شيء. لم تعد الحرب حاضرة في ذهنه كما كانت. لم تعد صورة واحدة يمكن أن يحدد ملامحها. امتدت الأيام وتشابهت المواقع وتكررت الأوامر، حتى بدأ يشعر أن الإنسان يستطيع، مع مرور الوقت، أن يعيش داخل الحرب دون أن يعود قادراً على رؤيتها.
وكان ذلك أكثر ما يربكه. أن يقف في مكان يفترض أنه جزء من معركة، بينما يشعر أن المعركة نفسها ابتعدت عن ذهنه. أن يعرف أن شيئاً ما يحدث، لكنه لم يعد يعرف ما الذي يجب أن يشعر به تجاهه.
كان عبد المهدي ما يزال يتحدث:
- المعنويات ليست مجرد شعور عابر، إنها القوة التي تجعل الإنسان قادراً على الاستمرار. عندما يبقى الإنسان مؤمناً بما يقوم به، فإنه يستطيع أن يتجاوز كل الظروف.
عند هذه العبارة عاد الوكيل إلى المكان من شروده، لذا نظر إلى عبد المهدي وقال:
- وماذا لو كان الإنسان لا يعرف ما الذي يؤمن به؟
توقف عبد المهدي لحظة.
- كيف؟
قال الوكيل:
- أقصد... ماذا لو لم يعد الخوف هو المشكلة؟ ماذا لو تعب الإنسان من الخوف حتى أصبح لا يشعر به؟
ظل عبد المهدي ينظر إليه.
أضاف الوكيل:
- في البداية، كنا نخاف من كل شيء. من الصوت، ومن الظل، ومن الأخبار. أما الآن... فأحياناً لا أعرف إن كنت خائفاً أم لا. الحرب موجودة، نعم، لكنني لا أشعر بحضورها كما كنت أشعر بها في السابق.
قال عبد المهدي، محاولاً أن يستعيد نبرة حديثه:
- هذا بالضبط ما يجب أن نقاومه. الإحساس بالتعب أو الضياع لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام.
ابتسم الوكيل ابتسامة خفيفة وقال:
- ربما هو شيء آخر.
- مثل ماذا؟
صمت قليلاً، ثم قال:
- ربما حين تطول الحرب، يتعب العقل من حملها. فيضعها في مكان بعيد، حتى يستطيع الإنسان أن يستمر.
تدخل مقدم اللواء للمرة الأولى. عدل من جلسته، وظهرت على وجهه ابتسامة هادئة، ثم قال:
- كلام عبد المهدي جميل. المعنويات مهمة، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك. يجب أن تكون جزءاً من عملنا دائماً، في كل وقت ومكان.
ثم التفت إلى الوكيل وأضاف:
- لكن الحرب لا تسير دائماً كما نتحدث عنها.
انتبه الاثنان إليه.
قال:
- كنت يوماً آمراً لوحدة. وكان بابي مفتوحاً للجميع. من يحتاج شيئاً، من يواجه مشكلة، من يطلب مساعدة... كنت أحاول أن أكون قريباً منهم.
قاطعه عبد المهدي:
- وهذا هو أساس الثقة بين القائد ومن معه.
ابتسم مقدم اللواء.
- كنت أظن ذلك أيضاً.
توقف قليلاً، ثم تابع:
- عندما كان الموقف بالحاجة إليهم لم أجد أحداً.
ثم أضاف:
- بقي سائق الإيفا في المنطقة الادارية. رأيته، فشعرت بشيء من الارتياح. قلت في نفسي: هذا الرجل لم ينس ما قدمناه له. الجميع رحلوا، وهو بقي.
سكت لحظة. كان عبد المهدي ينظر إليه منتظراً بقية الحديث، ثم أضاف مقدم اللواء:
- في الصباح... هرب هو أيضاً.
رفع الوكيل عينيه نحوه.
وأضاف المقدم:
- لكنه لم يهرب وحده.
- ماذا تقصد؟
قال، وهو يبتسم تلك الابتسامة نفسها:
- أخذ العجلة معه.
ساد الصمت مرة أخرى. نظر عبد المهدي إلى الأرض، وكأنه يبحث عن جملة مناسبة يعيد بها الحديث إلى موضوعه الأول، لكنه لم يجد.
أما وكيل الآمر، فقد شعر أن القصة الصغيرة التي رواها مقدم اللواء كانت أصدق من كل ما قيل قبلها. لم تكن المعنويات كلمة واحدة، ولم يكن الصمود دائماً بطولة، ولم يكن الهروب في كل مرة جبناً.
قال عبد المهدي أخيراً:
- لكن... لا بد من وجود شيء يجعل الإنسان يستمر.
نظر إليه الوكيل، ثم قال:
-لكن ربما المشكلة أننا نقضي وقتاً طويلاً في البحث عن ذلك الشيء بعد أن ننسى ما هو.
حل المساء خارج المقر. وقف الثلاثة بصمت، ومن مكان بعيد وصل صوت مكتوم، لم يعرف أحد إن كان انفجاراً جديداً أم صدى قديماً بقي عالقاً في ذاكرة المكان.
التفت عبد المهدي نحو الصوت. أما مقدم اللواء، فبقي ساكناً وكأنه يحدث نفسه:
- أحياناً، لا تنتهي الحرب عندما تتوقف الأصوات.
ثم اتجه إلى النافذة. كان الأفق غارقاً في العتمة، ولم يكن هناك ما يُرى بوضوح. لكن الاثنان، مقدم اللواء والوكيل، ظلا ينظران إلى ذلك الأفق، كأن كل واحد منهما كان يحاول أن يتعرف، في ذلك السواد البعيد، إلى الوجه الذي تركته الحرب فيه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري
- قصة قصيرة: الأملُ الواهن
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- متى يستجيب القدر؟ قراءة تأملية في سقوط الأنا ونهوض الجمع في ...
- قصة قصيرة: لهفةُ الانتظار
- قصة قصيرة: ارتياب
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...
- بين العتاب والأمل تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمع ...


المزيد.....




- مهرجان التراث الإسلامي بكالغاري.. احتفاء بالتنوع وردّ حضاري ...
- أسرة أحمد السقا تكشف حقيقة زواجه الجديد
- الدفاع الروسية تعلق على فيديو زيلينسكي المزيف باقتباس من فيل ...
- حملة المليون كتاب.. لبنان يتمسك بذاكرته في مواجهة التدمير ال ...
- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
- اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا ...
- هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
- أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد ...
- في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا ...
- من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وجه من الحرب