أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحوتُ والقمر














المزيد.....

قصة قصيرة: الحوتُ والقمر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 02:13
المحور: الادب والفن
    


لـم تكـن تلك الليلة كسائر الليالي؛ فالقمر استقرّ في كبد السماء الصحراوية كبدرٍ مكتمل، متوهجاً كقنديل ضخم علّقه أحدهم في الأعالي. ألقى بنوره الساطع على التلال القريبة، فبدد وحشة الصحراء ومنحها مدىً أرحب، حتى إن الظلمة توارت بعيداً وكأنها تتهيب من الاقتراب من جديد.
وسط الحوش في بيته الطيني، جلس صاحب الدار يرسل بصره في هذا الفضاء الفسيح، وداخله توقٌ لرفيق يؤنس وحدته في هذه السهرة. هنا تخطر بباله صاحبٌ قديم؛ رجلٌ لا يعرف السكون طريقه إلى مجلسه، تسبقه دعابته أينما حل، وتُفرج بضحكته أضيق الأوقات.
التفت إلى أبنائه وآمرهم:
ـ انطلقوا عصر يوم غد إلى القرية، وادعوا أبا فلان. أخبروه أن عشاءه عندنا، فما كان للقمر أن يكتمل في السماء بلا أنيس.
كانت القرية تقبع على مسافة غير قريبة، بيوتها زُرعت على التلال قرب ضفاف دجلة؛ حيث ينساب الماء في ظاهره بهدوء، بينما يخبئ في قاع عمقه قصصاً لا تُحصى.
ومع هبوط الظلام، عاد الأبناء يصحبون الضيف. التمّ الجميع حول مائدة الطعام، ثم جلسوا في الهواء الطلق تحت قبة السماء. أشعل صاحب البيت جذوة نار صغيرة ووضع إبريق الشاي بجوارها، فيما كان القمر ينسكب ضياؤه على وجوههم، كأنه جليسٌ إضافي ينصت لحديثهم.
انسابت الأحاديث وتبادلوا ذكريات الأيام الخالية؛ أسماءٌ غاب أصحابها، ورفاقٌ فرقتهم السنون، ومواقف كان الضحك فيها ينتزع الصدارة من الحكاية نفسها. كان الضيف يستحضر ماضيه كمن ينبش في صندوق عتيق، فما يُخرج منه خبر إلا وأرفقه بضحكة.
قال له صاحب الدار:
ـ طباعك هي هي لم تتغير... لا تدع للهمّ مسلكاً إلى مجلسك.
فأجابه الضيف بابتسامة:
ـ وهل يحتاج الهمّ إلى استئذان يا صديقي؟ إنه يعرف طريقه بنفسه.
ساد سكونٌ خاطف. كان هزيع الليل الأخير قد اقترب، وخبوُّ النار يزداد، وهدأت الجلبة. في هذه الأثناء، بدأ النعاس يداعب جفني الضيف، فصار يغالب النوم بتناول كوب من الشاي، يتبعه بآخر من القهوة، ثم يعود للشاي مجدداً، علّه يقنع عينيه بأن السهرة لم تنقضِ بعد.
حثه صاحب الدار قائلاً:
ـ تمهل في نومك... ما زال في جعباتنا كثيرٌ من الحديث.
رد الضيف متبسماً:
ـ الحديث يطول... لكن العمر أضيق من أن نروي فيه كل شيء.
ثم ألقى بجسده على فراشه مباشرةً تحت ضوء البدر.
لبث صاحب الدار في مجلسه قرب النار، يتنقل بنظره بين صديقه والسماء. كانت النسمات تداعب الأرض في تؤدة، والقمر شاخصاً في علوّه يرقب المشهد.
أغمض الضيف جفنيه، ولا يعلم كم انقضى من الوقت؛ أكانت دقائق معدودة أم ليلةً بأكملها.
وفجأةً، شق مسامعه صوتٌ من حيث لا يدري:
ـ استيقظ.
فتح عينيه مشدوهاً فلم يجد أحداً جواره، ليتردد الصوت بلهجة أكثر إلحاحاً:
ـ قم... الحوت ابتلع القمر.
استوى جالساً والذعر يتملكه، ثم شخص ببصره نحو الأعلى. لم يكن للقمر أثر، عدا دائرة واسعة قاتمة تخفي ملامحة؛ إذ غطت السماء ظلمةٌ حالكة، وتلاشت أطراف الصحراء. لا ضوءٌ يلوح، ولا نارٌ تشتعل، ولا أثر لظل شجرة أو جدار، بل حتى المعالم القريبة بدت وكأنها تنكرت لأشكالها.
تطلع نحو موضع صاحب الدار فلم يجد أحداً.
تساءل بنبرة ملؤها التردد:
ـ أين اختفى القمر؟
فلم يجبه أحد.
نهض وخطا بضع خطوات ثم تسمر في مكانه، فقد اختلطت عليه المسالك ولم يعد يتبين أين تنتهي الصحراء وأين يبدأ الضياع.
رفع وجهه نحو السماء وقال:
ـ إن كان الحوت قد ابتلع القمر حقاً... فما عسى رجلٌ مثلي أن يصنع على هذه الأرض؟
لبث ينتظر جواباً، فلم يصله سوى قهقهات قادمة من بعيد، تردد صداها في العتمة قبل أن تتلاشى وكأن الصحراء ابتلعتها هي الأخرى.
عاد إلى فراشه، ثم سحب الغطاء فوق رأسه. وفي تلك اللحظة، تناهى إلى سمعه صوتٌ يشبه خفقاً ثقيلاً آتياً من أفق بعيد... خفقٌ لا يماثل أجنحة الطيور ولا هبوب الرياح. فتح عينيه ليجد الظلام على حاله، غير أنه لمح لبرهة خيط ضوء باهت يتحرك في الأعماق قبل أن يختفي. لم يدرِ أكان ذلك مجرد أضغاث أحلام، أم أن الحوت كان يمرّ حقاً من هناك.
ومع تباشير الفجر، وقف صاحب الدار مضللاً عينيه بكفه وهو يمعن النظر في السماء. كان القمر قد استعاد موقعه، بيد أن شيئاً ما في تفاصيل الليلة قد تبدل. ألقى بنظره نحو الطريق المؤدي إلى القرية، ثم عاود التأمل في القمر؛ كان ساطعاً في مكانه، لكنه بدا أصغر من أن يبدد كتل هذا الليل.
خطا نحو ضيفه الغارق في نومه، وهمس في أذنه:
ـ قم... لقد أشرق القمر مجدداً.
تحرك الرجل تحت غطائه دون أن يفتح عينيه، وقال:
ـ دعه يعود كما يشاء... فقد اعتادنا النوم كلما اختفى.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...
- قصة قصيرة: الملجأ التنوري


المزيد.....




- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...
- مصر تكشف عن مشروع لم يسبق له مثيل بمنطقة الأهرامات
- وفاة محمد التاجي.. فنان صنع البطولة من أدوار الظل
- بعد مسيرة فنية حافلة.. وفاة الفنان المصري الكبير محمد التاجي ...
- حميد دباشي يفكك -المركزية الأوروبية- ما بعد الوحشية: غزة وال ...
- -بلادك تحترق وأنت تقيم الحفلات-.. الشاب خالد يواجه انتقادات ...
- هل حفرت أمريكا -ممرا سريا- في هرمز؟ وثائق وبيانات تفنّد الرو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحوتُ والقمر