داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 02:12
المحور:
الادب والفن
حين يكون الكاتب ابناً لذاكرته وواقعه في آنٍ واحد، تتحول الكتابة لديه إلى رحلةٍ مستمرة في أعماق الإنسان، وإلى محاولة دؤوبة لالتقاط اللحظات الهاربة من الزمن، قبل أن تستقر على صفحات الورق حياةً أخرى. هكذا يبدو الكاتب داود سلمان عجاج؛ منشغلاً بالسرد بوصفه فضاءً لاكتشاف الذات والواقع، ومستفزاً ذاكرته بما تختزنه من صور وتجارب وتحولات، ليعيد تشكيلها عبر لغةٍ أدبية تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع الهمّ الإنساني العام.
لقد خاض عجاج غمار الكتابة السردية، متنقلاً بين الرواية والقصة القصيرة، ومستلهماً من الواقع تفاصيله وتحولاته، ليجعل من مسوداته فضاءً لحياةٍ أخرى تتشكل فيها الشخصيات والأحداث والرؤى. وقد أثمرت تجربته عدداً من الروايات (ماذا لو عاد معتذراً، العتمة، ووجع الحلم، وآشور.. شواهد وقبور)
أما في مجال القصة القصيرة، فقد صدر له سبع من المجموعات القصصية (فتاة القلعة، فتاة التيه، فتاة الأعراف، صرخة الصمت، أرملة العشق العذري، مرافئ الذاكرة، حين يصرخ الظل) وهي عناوين تكشف، في تنوعها، عن تجربة سردية تبحث في الإنسان، وتستعيد الذاكرة، وتلامس مناطق الصمت والوجع والحلم.
ولم تقتصر تجربته على الإبداع السردي وحده، بل امتدت إلى الكتابة التأملية والنقدية، حيث أصدر خمس مؤلفات(مداد الروح: تأملات في الفيض الأدبي، أصوات من الأعماق، مرايا الذات المكسورة، تأملات في رمزية العشق والهوية في ديوان المكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي، مواقف ورؤى: قراءة جمالية في مجموعة أحلام الرجل العجوز القصصية للدكتور رمضان علي عبود)
إن تعدد هذه المسارات الكتابية لا يمثل مجرد تنوع في الأجناس الأدبية، بقدر ما يكشف عن كاتب يرى في الكتابة ضرورةً وجودية، وفي الكلمة وسيلةً لاكتشاف الإنسان والعالم. فهو لا يكتفي بإنتاج النص بوصفه حكايةً أو بناءً لغوياً، بل يسعى إلى أن يمنح القارئ متعة القراءة، ويستفز في الوقت نفسه أسئلته ورؤاه وتأملاته.
ومن هنا جاء هذا اللقاء مع الكاتب داود سلمان عجاج، لنقترب أكثر من عالمه الإبداعي، ونتعرف إلى بعض أسرار تجربته، ومصادر إلهامه، ورؤيته لفن الكتابة والسرد، وللواقع الذي يتحول، بين يديه، إلى ذاكرة ونص وأسئلة مفتوحة.
وكان لنا معه هذا الحوار، على مائدة الإبداع والكلمة...
س- حضرتك كسارد, ما أهم التقنيات الفنية والأسلوبية التي توظفها في بنائك السردي؟
السردُ هو نقلُ الحادثةِ من صورتها الواقعةِ الى صورةٍ لغوية, لذا يقوم الساردُ بتلك العمليةِ التي ينتج عنها النص القصصي الذي يشتمل على الخطابِ والحكاية, ووفق ما أشار إليه جينيت هو" عرض لحدثٍ أو لمتواليةٍ من الأحداثِ حقيقية أو خيالية بواسطة اللغة وخاصة اللغة المكتوبة" وتدل لفظة السرد في أصل اللغة العربية على التنظيم, وكذلك هو تتابع الحديث والقراءة وإجادة سياقهما, واخيرا هو" تقديم حكاية معينة في فصل محدد يمارسه فاعل معين في زمن مخصوص.
اما أهم التقنيات الفنية التي اتّبُعها في البناءِ السردي, فيمكن اتخاذها بالمجمل وذلك بالسرد بضمير الغائب, إضافة إلى الوصفِ والتلخيص, والحوار الخارجي, إلا أني في الغالبِ اتخذ مسار الحوار الداخلي( المونولوج) في العملِ الروائي, إذ أصبح يلازمني بصوتٍ غير مسموع نابع من الأعماقِ من الحياةِ الداخليةِ أقرب إلى اللاوعي وذاكرة الماضي, فحديثُ النفسِ مع النفسِ بتلك النجوى أجد فيها ذاتي, كأنما اترك الشخصيةَ تستترُ خلف قناعٍ لتخرج ما مكبوت في الدواخل والتعبير عن الهم والوجع القابع في النفس, وفي الغالب اذهب إلى منطقةِ النقدِ الاجتماعي, الهدف منه الوصول إلى السلام المجتمعي, وقد أصل إلى مرحلةِ النقدِ الذاتي عن طريقِ طرحِ ممارساتٍ قد ارتكبت في الماضي, أو إحداث حوارات ما بين صوتِ العقلِ والقلبِ ونوازع النفس وفق متطلباتها بصيغٍ تعبر عن الوجدان ولكي أضمن الابتعاد عن التحول التدريجي إلى الجمادِ بفقدِ الحسِ أو فرض الصخب الذي قد يتسرب إلى الروح.
اما أهم التقنيات الأسلوبية التي اتبعها في البناء السردي, الأسلوب من ناحيةِ المتكلم هو الكاشف عن فكر صاحبه ونفسيته, يقول افلاطون( كما تكون طبائع الشخص يكون أسلوبه), ويقول بوفون ( الأسلوب هو الإنسان نفسه), أما من ناحية زاوية المخاطب فيكون الأسلوب هو ذلك التأثير الناجم عنه وقد يصل إلى الإقناع أو عكسه الامتناع, يقول ريفاتير( الأسلوب هو البروز الذي تفرضه بعض لحظات تعاقب الجمل, لذا يعد الأسلوب هو الطاقة التعبيرية الناجمة عن الاختيارات اللغوية, وعلى ما تقدم فقد أجد نفسي أميل إلى أسلوب الجزل او السامي لنقل المعاناة في الغالب بصورةٍ هادئةٍ وغامضةٍ وبنسيجٍ مطولٍ بعض الشيء, مع المحافظة على الغاية من ذلك السرد.
س- القصة القصيرة جدا آخر مراحل التجريب السردي, ما أصلها وما مميزاتها وأسباب ظهورها؟
تقوم عناصرُ القصةِ القصيرِة جدا على " الحكائية" التي تعتمد على الحدث والشخصية والزمن والمكان, فالحدثُ لا يتيح المجالَ لتقديمه عبر الوسائل غير المباشرة كالحوارات الطويلة أو المونولوجات وإنما يتجه رأسا ليواجه طرفه المضاد, أما الشخصيةُ فلا تحتمل تعددها كما في الرواية والقصة القصيرة وشرح التفصيلات, وأما الزمنُ فهو يحدد بساعةٍ أو بيومٍ واحدٍ ونادرا ما يبلغ أسبوعا واحدا في مكانٍ واحدٍ أو اكثر, وأخيرا المكان الذي يتبادل مع البقية بالتأثير والتأثر, أما العنصر الآخر هو" التكثيف" وهي ما يتعلق بإيجاز الحدث والعناية بالاستهلالِ الذي يجذب القارئ, واخيرا " اللغة" إذ تكون لها خصوصية بحيث تكون بكثافة شديدة واقترابها من لغة الشعر على مستوى الأجواءِ التعبيرية.
يرتبط ميلاد القصة القصيرة جدا بميلاد الصحافة, فالصحافةُ هي التي حولت الحكاية من الطابع الشفهي إلى تحققها عن طريقِ الكتابة, ويعتبر الكاتبُ الفرنسي غي دو موباسان هو عرّاب القصة القصيرة في فرنسا والتي اعتبرها أفضل تعبير عن اللحظاتِ العابرة, وكذلك تشخوف في روسيا, وإدغار في امريكا, أما في الوطنِ العربي فهنالك من يقول أنها أولُ قصةٍ ظهرت هي لمحمد تيمور ( في القطار) بينما هنالك من يؤكد على أنها قصة ( سنتها الجديدة) لميخائيل نعيمه.
اما أهم مميزاتها فهي تكون صغيرة في حجمها, إضافة إلى وجودِ عاملِ التركيز فيها والتي تتمحور حول حادثة ما أو شخصية أو موقف معين, إذ لا مجال للإطالة فيها, لذا فالقارئ لا يحتاج إلى التركيزِ والبحثِ في شخوصها والتي تعتبر قليلة بالقياسِ بقدرِ الاهتمام بالفكرةِ التي لا مجال فيها للتشتيت, فالحبكةُ ترتبط بشكلٍ مباشرٍ في شخصيةِ البطلِ ضمن فترةٍ زمنيةٍ محددة.
س- كيف تفهم المفردات الآتية:
المرأة / الحياة / البحر / كلكامش / عشتار
المرأة: إنها أيقونة المحبةِ على جبين العمر, ذلك الاحساسُ المرهف, عطاءٌ لا ينضب, فصدى صوتها يرنُ في الاسماع, يلهبُ المشاعر, فيكرر حضوره في الأحلام واليقظة, هي الإلهام الذي يغذي السطور.
الحياة: يقول مصطفى محمود في هذا الصدد ( قيمةُ الإنسان هي ما يضيفه إلى الحياة بين ميلاده وموته) , هي مليئةٌ بالقيود, إلا أننا نحاول كسر تلك القيود, حتى لو كنا نظن بأننا نطير في هذا الفضاء بأجسادنا الاثيرية, نرسم في مخيلتنا بأننا نحلّقُ متى نشاء بين غيمات الذكرى أو بحاضرٍ نهشمُ فيه اللحظات, ونحطُ متى نشاء, وقد نسامح أنفسنا بأننا على الأقل حاولنا لنعيش الحياة حتى ولو حطت على صخرةِ الاوهام.
البحر: تلك الأمواجُ المتلاطمةُ تشعرني بالرهبة, بذلك الهيجانِ في أوقات الغضب, ترفض الاستكانة طالما هنالك فسحة لأثبات الوجود, لذا أحاول أن استكشف المجاهيل, مع لذة الاقتراب من الخطر, فالشاطئ لم يعد يسعني, اعلم أنها مغامرة, فرحلةُ القاعِ محفوفةٌ بالمخاطر, لكني ابحث عن مهرب.
كلكامش: ملحمةٌ تذكرني بسعي الإنسان للخلود, مع قدرِ الموتِ الحتمي على البشرية, بعدما لاقى انكيدو ذلك القدر, لذا حاول جاهدا في سعيه إلى تحقيق حلمه في عدم الموت, يبحث عن عشبة الحياة, بهوس ليس له حدود, ليقتنع أخيرا بعدما ابتلعت الثعبانُ تلك العشبة, إن الخلود يكمن في الأثرِ ما بعد الموت.
عشتار: عشتارُ إلهة الحب والهوى وآهات الليل الطويل, أراها في عيون العاشقين, وأجدها في نبضات القلوب, مع صدى الهمسات, فتهيج براكين الهيام, وتهزني الرغبة في البحث عن ضالتي, احلق في الفضاء, عبر حديث الأرواح, فتمنحني بالدفءِ بهمسِ الكلمات, وحينما تغادر, الوذ بالصمت كراهب يطيل التأمل, هكذا تمضي الحكاية في كلِ يوم.
س- هل تحبذ التنوع الكتابي, ولماذا نجده عند بعض الأدباء ؟
حاولتُ أن أجرب ذلك التنوع، فقد كتبتُ الرواية والقصة القصيرة والنقد التأملي, فلا أنكر على من يمتلك الموهبةَ والرغبةُ أن يحاول, فهو ظاهرةُ انفتاح الأجناس ومحو الحدود بينهما, وبعدما استطاع أن يستكشف جغرافية المفاهيم وخرائطها من خلال القراءة التي بلورت الموهبة, بتفكيرٍ هادئ, وبوجود الشغف وبظل حالة وجدانية يتجاوز فيها الحدود ليعبّر عما يجول في نفسه, وقد نجد جمالية أكثر في الصور الإبداعية حينما يمارس فيها الكاتب الغوص في أكثر من جنسٍ أدبي.
س- كيف تفهم عنوان روايتك وقصصك؟ ومن أين يستل؟
يتم اختيار العنوان باعتباره هو السمة والعلاقة والأثر الذي يستدل به على كلِّ شيء, فما من أثرٍ إلا وله عنوان يدل عليه, وعليه وبما أنَّ حجمَ القصةِ صغيرٌ لذا يتحتم أن يكون ذلك العنوانُ هو القصةُ كاملة, وفي الغالبِ يتم اختيار العنوان من خلال جملةٍ قد أكررها لترسيخ المعنى بكلمةٍ واحدةٍ أو أكثر, إيحاءً او ترميزا, ويدور حولها محور القصة, أما الروايةُ فيستدلُ من الأهدافِ المرسومةِ لها.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟