أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وكان الحل















المزيد.....

قصة قصيرة: وكان الحل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 08:45
المحور: الادب والفن
    


كانت الإمارة، منذ زمن لا يتذكر أحد بدايته، تنام على كتف نهرٍ عظيم. كان النهر يمرّ بمحاذاة بيوتها كما لو أنه حارسٌ قديم يعرف أسماء سكانها جميعاً، ويعرف متى يفتحون نوافذهم للشمس، ومتى يطفئون مصابيحهم وينامون.
في تلك الليالي، كان السكون يهبط على الأزقة هبوطاً رقيقاً. لا شيء يربك طمأنينة المكان سوى أصوات الرعاة العائدين بقطعانهم، أو حكايات المسنين وهم يتناقلون أخبار الأزمنة البعيدة، أو بعض الأغنيات التي تتسلل من وراء الأبواب المواربة.
وكان الناس يقولون:
- العدل أساس المُلك، ومن عدل في النهار، نام الناس في الليل آمنين.
أما الأمير، فقد اعتاد أن يجعل بابه مفتوحاً. لم يكن الحرس يمنعون صاحب حاجة، ولا يُردُّ مظلوم قبل أن يسمع الأمير حكايته. وكان يؤمن أن الإمارة لا تُحكم بالسيوف وحدها، بل بطمأنينة الناس أيضاً. ولهذا ظلّت الإمارة زمناً طويلاً، هادئةً كصفحة النهر حين لا تعصف به الرياح.
لكن السنوات، حتى في أكثر البلاد طمأنينة، لا تمرّ من دون أن تترك ظلالها. في ليلةٍ بدا فيها القمر شاحباً فوق النهر، استيقظ الأمير على خوف لم يعرف له سبباً. جلس في فراشه طويلاً، لم يسمع صراخاً في الشوارع، ولم تقع حرب، ولم يُعلن أحد تمرداً. كانت الإمارة تبدو كما هي؛ الأسواق مفتوحة، والرعاة يسيرون في طرقاتهم المعتادة، والحراس يقفون عند البوابات، ومع ذلك، كان شيء ما يصرخ في داخله.
نهض ببطء، واتجه نحو المرآة. تأمل وجهه طويلاً، كانت المرآة لسبب لم يفهمه أكثر رحمةً من الحقيقة؛ تخفي بعض شحوبه، ولا تظهر كل ذلك التعب الذي تسلل إلى جسده. مدّ يده إلى صدره، وشعر بأن نبضات قلبه لم تعد تسير على إيقاعها القديم. ولم يكن يخشى الموت، لذا قال لنفسه:
- ما يخيفني ليس أن أغادر، فالإنسان لا يستطيع أن يخاصم قدره إلى الأبد.
ثم سكت قليلاً وأدار رأسه نحو النافذة.
- لكن من سيبقى بعدي؟
ومنذ ذلك السؤال، بدأ يراقب ابنه الوحيد. كان الأمير الشاب يجلس معه أحياناً، لكنه يبدو شارد الذهن، منشغلاً بما ينتظره من سلطة وملك أكثر من انشغاله بما يمكن أن يتركه الأب وراءه من أسئلة.
وفي إحدى الأمسيات، اشتدّ المرض على الأمير. طلب من خدمه أن يعينوه على ارتداء ثيابه. قاوم جسده المتعب حتى وصل إلى مجلسه المعتاد، ثم جلس بصعوبة، وأشار إلى أحد الحراس.
- نادوا على ابني.
لم يتأخر الأمير الشاب كثيراً. دخل المجلس بخطوات مترددة، فرفع الأب رأسه نحوه طويلاً، وكأنه يريد أن يحفظ ملامحه للمرة الأخيرة.
قال الابن:
- أراك متعباً يا أبي. عليك أن ترتاح.
ابتسم الأمير ابتسامة خافتة.
- هناك تعب لا يزيله النوم يا بني.
جلس الابن قربه، فقال:
- أتريد أن تستدعي الأطباء؟
هزّ الأمير رأسه.
- الأطباء يعالجون الجسد، وأنا أخشى شيئاً آخر.
ساد الصمت بينهما. ثم قال الأب بصوت خافت:
- إن جاء عليك يوم تشعر فيه أن الإمارة لم تعد كما تعرفها، فلا تعتمد على ما تراه بعينيك فقط.
رفع الابن عينيه مستغرباً.
- وما الذي تقصده؟
تنهد الأمير.
- ستعرف ذلك حين تصبح الأسئلة أثقل من الأجوبة.
ثم سكت قليلاً، وقال:
- وإذا ضاقت بك الأمور، فاذهب إلى صديقي الفلاح، الذي يسكن في الضفة الأخرى من النهر.
ابتسم الابن ابتسامة لم تخلُ من شيء من الاستغراب.
- فلاح؟ وماذا يعرف الفلاح بأمور الحكم؟
نظر إليه الأب نظرة طويلة وقال:
- أحياناً يا بني، يرى من يقف في الحقل ما لا يراه من يقف في شرفة القصر.
ثم أغمض عينيه، وكان ذلك آخر حديث طويل دار بينهما.
بعد أيام، رحل الأمير. وتولى الابن الحكم، في البداية، بدا كل شيء جميلاً. القصور أكثر اتساعاً مما كان يظن، والولائم أكثر تنوعاً، والوجوه أكثر ابتساماً. كان الجميع يهنئونه، ويؤكدون له أن الإمارة أقوى من أي وقت مضى.
قال له أحد المقربين:
- الناس يحبونك يا مولاي.
وقال آخر:
- لم تعرف الإمارة أميراً شاباً مثلك.
وكان الشاب يصغي، ويبتسم. لكن الأيام بدأت تكشف له شيئاً مختلفاً، فلم تعد الأمور تسير كما كانت في عهد أبيه. كانت الأوامر تصدر من القصر، لكنها تصل إلى الناس ناقصة، أو تصلهم بعد أن تتغير ملامحها. وبدأ يسمع أن بعض رجال القوم يتصرفون كما لو أنهم أصحاب القرار، وأن لكل واحد منهم رجالاً يتبعونه، وأبواباً تُفتح بأسمائهم، وأموراً تُحسم قبل أن تصل إلى الأمير. وحين كان يسأل، كان الجميع يجيب:
- لا شيء يا مولاي، الأمور تحت السيطرة.
لكن كلمة لا شيء أصبحت أكثر الكلمات إثارةً لقلقه.
وفي ليلة، خرج متنكراً بين الناس، فرأى الخوف في الوجوه، لكنه لم يسمع شكوى. كان الناس يتحدثون بصوت منخفض، يتوقفون فجأة إذا مرّ غريب، ينظرون خلفهم قبل أن يذكروا اسماً. عاد الأمير إلى قصره مضطرباً، وقال لنفسه:
- كيف يمكن أن يكون كل شيء تحت السيطرة، بينما لا أحد يمكنه أن يتكلم؟
تذكر عندئذٍ وصية أبيه، تذكر الفلاح، فاستدعى أحد رجاله الموثوقين وقال له:
- اعبر النهر. ابحث عن الرجل الذي أوصاني به أبي. أخبره بما يحدث هنا، واسمع منه... لكن لا تسأله إلا بقدر ما يلزم.
انحنى الرجل وقال:
- وماذا تريد أن أقول له؟
أجاب الأمير:
- قل له إن الإمارة لم تعد إمارة واحدة.
عبر الرجل النهر في صباحٍ هادئ سراً. وظل يسأل عن الفلاح من قرية إلى أخرى، حتى وصل إلى مزرعة واسعة تتدلى فيها ثمار الرقي الكبيرة تحت شمس الصيف. وجد رجلاً مسناً يعمل بين خطوط الزرع. سلّم عليه، فردّ الفلاح السلام، ثم دعاه إلى الجلوس في ظل شجرة.
قال الرجل بعد أن قدم نفسه:
- جئت من عند الأمير.
رفع الفلاح رأسه.
- الأمير؟
- نعم. ابن صديقك القديم.
ساد الصمت، ثم سأله الفلاح:
- وكيف حال الإمارة بعد رحيل أبيه؟
تردد الرجل قليلاً.
- ليست كما كانت.
أطرق الفلاح، فأكمل الرجل:
- بعض الناس صاروا يتصرفون وكأنهم أمراء. لكل واحد منهم رجال، ولكل واحد كلمة، ولكل واحد حدود لا يريد لأحد أن يتجاوزها.
سأل الفلاح:
- وهل يعلم الأمير؟
قال الرجل:
- يعلم بعض الشيء، ويُخفى عنه أشياء كثيرة.
- وهل يستطيع الناس الاعتراض؟
خفض الرجل رأسه.
- الناس يعرفون، لكنهم يخافون.
عاد الفلاح إلى صمته، وبعد لحظات نهض. ظن الرجل أنه سيقول شيئاً، لكنه رأى الفلاح يتجه إلى الحقل، يحمل سكيناً حادة. ثم بدأ، دون أن ينطق بكلمة، يقطع ثمار الرقي الكبيرة الناضجة، واحدة بعد أخرى، ويُسقط الثمار على الأرض، أو يقطعها بالسكين، فينسكب ماؤها على الأرض.
ظل الرجل يراقبه مذهولاً، ثم قال:
- ماذا تفعل؟ هذه ثمار موسم كامل.
لم يجبه الفلاح. واصل قطع الثمار الكبيرة، فيشقها بالسكين، حتى لم يبق في الحقل إلا الثمار الصغيرة التي بدأت نموها حديثاً.
صاح الرجل:
- أجننت؟ لقد أفسدت محصولك.
التفت إليه الفلاح أخيراً، ابتسم ابتسامة غامضة، لكنه لم يقل شيئاً. عاد الرجل إلى الإمارة مسرعاً، وكان الأمير ينتظره، ما إن دخل عليه حتى سأله:
- ماذا قال؟
قال الرجل:
- لم يقل شيئاً يا مولاي.
تغير وجه الأمير.
- لم يقل شيئاً؟
- تحدث معي قليلاً، ثم خرج إلى حقله وأخذ يقطع الثمار الكبيرة كلها. لم يُبقِ إلا الصغيرة التي لم تكتمل بعد.
حدّق الأمير في وجه الرجل طويلاً.
ثم سأله:
- هل قال لك شيئاً قبل أن تفارقه؟
- لا.
- وهل حاولت أن تفهم منه؟
- ظننت أنني أمام رجل فقد عقله.
صمت الأمير، مضت لحظات طويلة. ثم نهض ببطء واتجه إلى النافذة المطلة على النهر، كان النهر ساكناً، كما كان في أيام أبيه. لكن شيئاً في داخله لم يعد ساكناً، وصوتاً يهمس ليس ككل الأصوات التي يعرفها، وهو يردد: لا وقت للندم، فشعر بدفء الكلمات، ثم قال بصوت خافت:
- لم يفقد الرجل عقله...
ثم استدار نحو الرجل.
- لقد أرسل إليّ جواباً لا يستطيع قوله بالكلمات.
سأله الرجل:
- وما الجواب يا مولاي؟
ظل الأمير ينظر إلى النهر.
وقال:
- ستعرف لاحقاً.
في صباح اليوم التالي، وقف الأمير على شرفة قصره. تحتها كانت المدينة تستيقظ ببطء، الأسواق تفتح أبوابها، والرعاة يقودون قطعانهم، والنهر يمضي كما لو أنه لا يعرف ما يجري على ضفتيه.
استدعى الأمير قادة الحرس وكبار رجاله، تبادلوا النظرات وهم يدخلون، بعد أن تركهم ينتظرون لساعة من الزمن، ثم أذن لهم. كان الأمير يجلس في مكانه صامتاً، وهو يمسك سيفاً، يهزه بضجر. نظر الجميع إلى ذلك السيف باستغراب، ولم يأذن لهم بالجلوس، فانتابتهم الهواجس والمشاعر المتناقضة، كأنما أبصارهم لم تصدق ذلك. كانت اللحظات طويلة، لكن في مخيلتهم توحدت سوداوية النظرات.
في الخارج، كانت الشمس ترتفع ببطء، وتكشف للمرة الأولى ظلالاً كثيرة كانت تختبئ خلف أسوار الإمارة. أما النهر، فقد ظل يجري كما لو أنه ينتظر أن يعرف الجميع: من الذي يملك الضفة حقاً، ومن الذي سيجرؤ أخيراً على الكلام دون استئذان؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم


المزيد.....




- الثقافة العُمانية تتألق في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي ...
- -سينما الأجنحة الصغيرة-.. أطفال غزة يحلقون بالخيال فوق ركام ...
- هذا المهرجان الموسيقي الإفريقي أحدث طفرة اقتصادية في مدينة س ...
- عارضة أزياء تحضر بجناحين من الريش إلى حفل افتتاح مهرجان البن ...
- بسبب دعمها لإسرائيل.. الممثل الأيرلندي الشمالي جيرارد مكارثي ...
- من الأسد الذهبي إلى مقاعد التحكيم.. صناعة السينما العربية تف ...
- -جدران من قماش- لنعمة حسن: توثيق العام الأول من حرب الإبادة ...
- 8 جامعات تلتقي على خشبة -القصبة- ومواهب شابة تشق طريقها إلى ...
- تزايد القلق داخل البنتاغون بشأن تركيز هيغسيث على حروب الثقاف ...
- خطة ترامب لإنقاذ هوليوود تهدد صناعة السينما الكندية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: وكان الحل