أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الزائر














المزيد.....

قصة قصيرة: الزائر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 09:04
المحور: الادب والفن
    


على الجانب الأيمن من الطريق القديم الذي يصل بغداد بالموصل، كانت تقوم قرية صغيرة، كأنها نقطة متعبة أفلتت من يد الجغرافيا واستقرت بين الصحراء والريح. بيوت طينية متناثرة، وأشجار أثل تقاوم الجفاف بما يصل إليها من مياه الآبار المالحة. وعند الغروب، كانت رائحة الخبز تتصاعد من التنانير الطينية، فيما يعود الرعاة بماشيتهم قبل أن تبتلع الشمس آخر أطراف النهار.
لم تكن القرية تعرف الساعات على نحو المدن. فالظهيرة تُعرف من وقوف الشمس في كبد السماء، ومنتصف الليل من صوت القطار العابر، أما اقتراب الفجر فكانت تبشّر به الثريا.
كانت الأغنام ثروة البيوت جميعاً. لكل بيت حظيرته الصغيرة، ولكل حظيرة سور من طين أو أسلاك. لم تكن تلك الأسوار لحماية الماشية من السرقة، بقدر ما كانت حذراً من الذئاب التي تنحدر أحياناً من أطراف الصحراء، جائعة، لا تعرف من الحياة سوى ما تقودها إليه غريزتها.
ورغم الفقر والقحط الذي كان يزور القرية في بعض الأعوام، ظل أهلها متماسكين. كان الجار يعرف ما في بيت جاره، والخبز يُقسم قبل أن يُؤكل، والكرم عرفاً لا يحتاج إلى وصية. ولهذا، حين كان يأتيهم قريب من قرية بعيدة، يستقبلونه ضيفاً ليوم أو يومين، ثم يعود إلى أهله.
أما هو، فلم يكن ضيفاً. كانوا يسمّونه، من باب التلطف، الزائر. يأتي كل عام، في اليوم الأول ينزل في بيت الشيخ أبي زيدان، كبير القرية، فتُذبح له الذبائح وتُمدّ الموائد، ثم ينتقل في اليوم التالي إلى بيت آخر، ثم إلى آخر، حتى يصبح وجوده جزءاً من حركة القرية اليومية.
لم يكن أحد يسأله متى جاء، ولا متى سيرحل، وكان أحدهم يقول:
- الرجل زائر، ومن العيب أن نحصي عليه أيامه.
فيجيبه آخر:
- الزائر له حق، والقرية لا تضيق بمن قصدها.
وهكذا ظل الزائر ينتقل بين البيوت، يزورهم عاماً بعد عام، ويأكل من خرافهم، من أعراسهم، من مواسمهم، ومن صبرهم الطويل. وكان كلما ثقل حضوره، خفّ كلامهم عنه. فالحياء أحياناً، يصنع للناس أقفاصاً لا يرون قضبانها.
في تلك الليلة، كان الزائر جالساً في بيت الشيخ أبي زيدان وقد على قدومه قرابة الشهر. إذ هبط الظلام ثقيلاً على القرية، وانطفأت الأصوات شيئاً فشيئاً، حتى دوّى فجأة صوت إطلاق نار متقطع.
انتفضت القرية. خرج الرجال من البيوت مسرعين، حمل بعضهم بنادق قديمة، وحمل آخرون ما وقع في أيديهم من عصي وهراوات.
صاح رجل:
- الذئب دخل الحظيرة.
اندفع الجميع نحو أطراف القرية. لمحوا في البعيد ظلاً رمادياً ينساب بين الظلام والرمال.
قال أحد الشباب وهو يلهث:
- لن ندعه يبتعد.
ورد آخر:
- الليلة نعرف أين يختبئ.
استمروا في مطارته أكثر من ساعه، لكن الذئب كان أسرع منهم، يعرف الصحراء أكثر مما يعرفونها. وحين تجاوز الليل منتصفه، عاد الرجال منهكين. كان قطار منتصف الليل قد مرّ منذ قليل، حين تجمعوا في باحة بيت الشيخ أبي زيدان.
جلس الشيخ صامتاً، إلى جواره كان الزائر مطأطئ الرأس، يعبث بطرف عباءته. قال الشيخ بعد أن نظر إلى الرجال:
- ماذا أخذ الذئب منكم الليلة؟
أجاب أحدهم سريعاً:
- خروفاً يا شيخ.
كرر الشيخ:
- خروفاً واحداً؟
- نعم.
سكت قليلاً، ثم قال:
- ولهذا خرجتم جميعاً؟
قال رجل مسن:
- وهل نترك الذئب يعتاد على حظائرنا؟ اليوم يأخذ خروفاً، وغداً يأخذ أكثر.
هزّ الشيخ رأسه ببطء وقال:
- كلام صحيح... فالذئب إذا وجد الباب منفذاً عاد إليه.
ساد الصمت. رفع الشيخ بصره نحو الرجال، ثم قال:
- وهل الذئب يفعل غير ما تقتضيه طبيعته؟
قالوا:
- لا.
قال:
— يجوع فيأكل، ويهرب إذا طُورد.
ثم التفت إلى الرجل الجالس بجانبه، تبادل الحضور النظرات على ضوء القمر بعد أن ارتفع قليلا، وساد بعض الهمس، ثم ساد الصمت.
قال الشيخ:
- وهذا... ماذا تسمّونه؟
أجابوا باستغراب:
- زائرنا.
ابتسم الشيخ ابتسامة باهتة، ثم سأل:
- ومنذ متى وهو يزورنا؟
لم يجب أحد. خفضت العيون أبصارها، وتحركت بعض الأيدي فوق الركب. لذا قال رجل بصوت خافت:
- منذ شهر تقريباً.
رفع الشيخ رأسه:
- أليس هو نفسه الذي جاءنا في العام الماضي؟
سكتوا.
- والذي قبله؟
ظل الصمت. نهض الشيخ واقفاً، وأشار بيده نحو الحظائر البعيدة.
- الليلة استنفرتم القرية كلها لأن ذئباً أخذ خروفاً واحداً.
ثم أشار إلى الزائر:
- أما هذا، فقد أكل خرافكم عاماً بعد عام.
ارتفعت بعض الرؤوس ببطء.
قال الشيخ:
- الذئب دخل الحظيرة مرة، فأطلقتم النار، وركضتم خلفه إلى عمق الصحراء.
ثم التفت إلى الزائر مباشرة:
- أما هذا، فقد دخل بيوتكم جميعاً، ولم تطلبوا منه حتى أن يعرف طريق الخروج.
قال أحد الرجال محتجاً:
- لكنه زائر يا شيخ... والزائر له حرمة.
أجابه الشيخ:
- نعم، للزائر حرمة.
ثم صمت لحظة وأردف:
- لكن للزائر طريقٌ يأتي منه، وطريقٌ يعود إليه.
بقي الزائر ساكناً.
نظر الشيخ إلى الجميع وقال:
- الذئب أكل خروفاً واحداً لأنه ذئب.
ثم أشار إلى الرجل:
- أما هذا، فماذا أكل منكم حتى الآن؟
لم يجب أحد، كانت الأسئلة أثقل من أن تجد لها صوتاً. وفي تلك اللحظة، سُمع نباح بعيد من جهة الصحراء. نهض الزائر فجأة: لم يودّع أحداً، لم يقل كلمة. خرج من باحة الشيخ أبي زيدان، وسار ببطء بين البيوت النائمة.
ظل الرجال يراقبونه حتى تجاوز آخر بيت في القرية. وعندما بلغ الطريق الرملي، توقف قليلاً، ثم التفت خلفه. لم يعرف أحد إن كان ينظر إليهم... أم إلى الحظائر. ثم مضى في الاتجاه نفسه الذي اختفى فيه الذئب.
أما الشيخ أبو زيدان فظل واقفاً طويلاً، فيما كانت عيون الرجال معلقة بالظلام، كأنهم لا يعرفون حتى تلك اللحظة، إن كان الذي غادر قد مضى حقاً، أم أنه تعلّم فقط كيف يعود من بابٍ آخر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد


المزيد.....




- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...
- زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض ...
- طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو ...
- أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش ...
- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الزائر