|
|
قصة قصيرة: تحت الصفيح
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 09:49
المحور:
الادب والفن
لم تكن الحرب تبدأ حين تُطلق المدافع قذائفها، ولا حين تهتز الأرض تحت وقع الانفجارات؛ كانت تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يصبح انتظار الموت جزءاً من الحياة اليومية، وحين يتعلم الإنسان أن يقيس أيامه بكمية الطعام المتبقية، وبعدد الغارات التي مرّت فوق رأسه دون أن تسقط عليه. في ذلك الشتاء، كان المطر يبدو كأنه طرف آخر في الحرب. إذ كان الموضع الدفاعي قائماً في أرض زراعية منبسطة، ذات تربة حمراء تمتص الماء بشراهة، ثم تعجز عن الاحتفاظ به. تهطل السماء ساعات طويلة، تهدأ قليلاً، ثم تعود في اليوم التالي، وكأن الغيمة لم تكن غيمة، بل خزاناً لا ينفد. كان المطر ينزل، ينتهي، ثم يبدأ من جديد. وبعد أيام قليلة، لم تعد الأرض أرضاً. تحولت إلى مسطحات مائية متقطعة، تتخللها حفر عميقة وممرات موحلة. كان الجندي يخطو خطوة فيغوص نصف حذائه، ويخطو الثانية فيجد الطين قد أمسك بالساق كما لو أن الأرض نفسها لا تريد له أن يذهب بعيداً. أما الملجأ، فكان حفرة واسعة مغطاة بالصفيح، مدفونة جزئياً تحت الأرض. رطبة، باردة، عابقة برائحة التراب والملابس المبتلة والدخان القديم. كان الليل فيها أطول من المعتاد. والجوع أيضاً، في الأيام الأولى كان الجنود يتذمرون من قلة الطعام، ثم اعتادوا التذمر، ثم تعبوا من التذمر، حتى صار الصمت هو اللغة الوحيدة التي يتحدثون بها. الأرزاق كذلك كانت تصل متأخرة، وأحياناً لا تصل. وإذا ما وصلت، لم تكن تكفي. وفي كل مرة يأتي فيها الطعام، كان أحدهم يسأل: ـ هذا لليوم فقط؟ فيجيبه الآخر: ـ لا تسأل... كل واشكر الله. ثم يضحكان ضحكة قصيرة لا تشبه الضحك. كانت العبارات التعبوية تصلهم أكثر مما تصلهم الأرزاق. كلمات كثيرة عن الصمود، والواجب، والوطن، والمنجزات، والانتصارات، والثبات حتى النهاية. أما الطعام، فكان أقل حضوراً من الكلمات. في إحدى الليالي، جلس الضابط المسؤول مع الملازم عبدالله وعدد من الضباط في الملجأ. كان المصباح الضعيف يتدلى من السقف، يهتز كلما سقطت قذيفة بعيدة، فيرتجف ظله على الجدران الترابية. قال الملازم عبدالله وهو يفرك يديه من شدة البرد: ـ لو كان الصمود يؤكل، لكنا أكثر القطعات شبعاً. نظر إليه أحد الضباط وقال هامساً: ـ اخفض صوتك. ابتسم عبدالله: ـ لماذا؟ الجدران لا ترفع تقارير. رد الآخر: ـ لكن الجدران لها آذان أحياناً. سكت عبدالله، كان الجميع يعرفون معنى تلك الجملة. بعد لحظات، أخرج أحدهم من مكان قريب قطعة صغيرة من الخبز اليابس. نظر إليها كما لو أنها شيء ثمين. قال: ـ هذه آخر قطعة. سأله عبدالله: ـ لك؟ ـ نصفها لي، والنصف الآخر لمن يحتاجها أكثر. ضحك عبدالله بمرارة: ـ نحن جميعاً نحتاجها أكثر. كان تحت سرير الضابط المسؤول عدد من الصفائح الصغيرة التي تحتوي على مادة الراشي. وضعت هناك منذ أيام، بعيداً عن أعين الجنود، وبعيداً عن أي احتمال أن تمتد إليها يد جائعة فتفرغها دفعة واحدة. قال الضابط المسؤول: ـ لا أحد يلمسها إلا عند الضرورة. نظر إليه عبدالله: ـ ومتى تكون الضرورة؟ أجابه: ـ عندما يصبح الأمر ضرورياً. ـ وهل الجوع ليس ضرورة؟ رفع الضابط المسؤول عينيه إليه، ثم قال: ـ الجوع مؤقت. ابتسم الملازم عبدالله: ـ منذ متى؟ لم يجب، كان يعرف أن السؤال ليس بحاجة إلى جواب. في تلك الليلة، وبعد أن نام معظم الجنود، بقي عبدالله مستيقظاً. كان يسمع صوت المطر فوق الصفيح: طق... طق... طق... ثم يتحول الصوت إلى هدير متصل. فكر: - كم يحتاج الإنسان حتى يتحول الجوع من ألم إلى عادة؟ ثم نظر إلى سقف الملجأ: - وهل الوطن الذي نتحدث عنه في الخارج يعرف كيف يبدو الوطن من هنا؟ أغمض عينيه، لم يكن غاضباً من أحد بعينه. بل كان غاضباً من كل شيء: من المطر، من الطين، من البرد، من الجوع، من الصفيح، ومن الكلمات التي تصلهم كاملة، بينما يصل الطعام ناقصاً. فتح عينيه وقال في داخله: - ربما نحن لا نحرس الأرض... ربما الأرض هي التي تحرس أسرارنا. في اليوم التالي، اشتد المطر. تأخر الطعام. وفي المساء، كانت الصفائح تحت السرير قد أصبحت أكثر حضوراً من أي شيء آخر. نظر إليها الملازم عبدالله، ثم نظر إلى الضابط المسؤول. قال: ـ هل لي أن اسأل؟ ـ نعم؟ ـ هل يمكن أن نأخذ شيئاً قليلاً؟ ظل الضابط صامتاً. أضاف: ـ قليلاً فقط. قال الضابط المسؤول: ـ إذا بدأنا، فلن يتوقف أحد. رد عبدالله: ـ وإذا لم نبدأ، فربما يتوقف شيء آخر. رفع الضابط المسؤول رأسه، ساد الصمت. ثم قال: ـ خذوا القليل. انحنى الملازم عبدالله، وسحب صفيحة الراشي من تحت السرير. فتحها، انتشرت رائحتها في الملجأ. نظر الجميع إليها، كانوا يتعاملون معها كما لو كانت كنزاً. ثم أخذ كل واحد منهم مقداراً صغيراً. وفي اليوم التالي فعلوا الشيء نفسه، ثم اليوم الذي بعده. وبمرور الأيام، أصبح ذلك القليل عادة. لكن المعدة التي صبرت على الجوع لم تصبر على الراشي، بدأت ترفضه. قال أحدهم: ـ يبدو أن المعدة أيضاً لديها موقف. ضحك عبدالله: ـ لا تقل ذلك... ربما تُحسب علينا معارضة. هذه المرة ضحك الجميع. لكن الضحكة انطفأت سريعاً. في صباح اليوم الرابع، دخل الضابط المسؤول إلى الملجأ، وكان يحمل ورقة صغيرة. جلس أمامهم، ثم نظر في وجوههم. وجوه شاحبة، لحى متعبة، عيون غائرة، ملابس رطبة، وأحذية لم تعد تعرف الفرق بين الطين والأرض. قال: ـ وصلتني التوجيهات. لم يتحرك أحد. تابع: ـ المطلوب رفع المعنويات، والتأكيد على الصمود، وتذكير الجميع بما تحقق من منجزات خلال المسيرة الطويلة. رفع الملازم عبدالله حاجبيه، ثم قال: ـ منجزات؟ نظر إليه الضابط المسؤول. ـ نعم. ـ كثيرة؟ ـ كثيرة. ـ وهل يمكن أن نراها؟ لم يبتسم الضابط المسؤول. قال: ـ لا تحول الأمر إلى سخرية يا عبدالله. رد عبدالله بهدوء: ـ لم أقصد السخرية. ثم أضاف: ـ لكنني أريد أن أعرف فقط... ما الذي ينبغي أن نقوله للجنود؟ قال الضابط المسؤول: ـ قولوا لهم إن ما يقومون به قمة الوطنية. تبادل الضباط النظرات. ثم قال: ـ وإن عليهم أن يصبروا. سكت قليلاً، ثم نهض. ـ وسأطرح عليكم سؤالاً، وأريد منكم جواباً واضحاً. جلس الجميع، ثم قال: ـ ما هي أهم منجزات هذه المسيرة الطويلة؟ ساد الصمت، كان السؤال بسيطاً، لكن الجميع عرف أن وراءه شيئاً آخر، ثم نظر الضابط المسؤول إلى أقرب الجالسين. ـ ملازم عبدالله. رفع عبدالله رأسه. ـ نعم. ـ ما هي أهم المنجزات؟ نظر عبدالله إلى يمينه، ثم إلى يساره. كانت عيناه تبحثان عن إجابة لا تؤذيه، ثم نظر إلى الأرض، حرّك قدميه داخل الملجأ البارد، سمع صوت المطر فوق الصفيح: طق... طق... طق... ثم قال: ـ المنجزات واضحة للعيان. قال الضابط المسؤول: ـ وكيف؟ رفع الملازم عبدالله رأسه. ـ لأننا نجلس هنا. انتظر الضابط، والملازم عبدالله يتابع: ـ في أرض مقطوعة، تحت صفيح بارد، والمطر فوق رؤوسنا، والطين حولنا، والأرزاق قليلة، والصمون يابس... توقف لحظة. نظر إلى زملائه، ثم قال: ـ حتى إننا أصبحنا نعاني من البواسير. تجمد الهواء في الملجأ، لم يضحك أحد. حتى المصباح بدا كأنه توقف عن الاهتزاز. لذا نظر الضابط المسؤول إلى عبدالله طويلاً، كان يستطيع أن يرى في عينيه أشياء كثيرة: الخوف، والجوع، والتعب، وربما الندم. قال أحد الضباط في سره: - انتهى الأمر. وقال آخر: - لماذا قلتها يا عبدالله؟ أما عبدالله فظل ساكتاً. كأنه هو الآخر لم يكن يعرف هل تكلم بلسانه، أم أن الجوع هو الذي تكلم. قال الضابط المسؤول بصوت منخفض: ـ أعد ما قلت. لم يجب الملازم عبدالله. ـ قلت: أعد ما قلت. رفع عبدالله عينيه. ـ قلت الحقيقة. ارتجف شيء في وجه الضابط المسؤول، ثم قال: ـ الحقيقة؟ ـ نعم. ـ وهل تعرف ماذا يعني أن تقول الحقيقة بهذه الطريقة؟ صمت عبدالله، ثم اقترب منه الضابط المسؤول قليلاً. ـ أنت تعرف أن الكلام لا يبقى هنا. وأشار بيده إلى سقف الملجأ. ـ هذا الصفيح قد يكون بارداً، لكنه لا يمنع الكلمات من الخروج. لم يجب عبدالله. قال الضابط المسؤول: ـ قد تصل كلماتك إلى مكان لا تستطيع أنت الوصول إليه. ظل عبدالله ينظر إليه، ثم قال: ـ وأنا أيضاً قد لا أستطيع الوصول إلى مكان آخر. لم يفهم بعضهم ما قصد، لكن الضابط المسؤول فهم. لذا خفض عينيه، كان أمامه رجل جائع، وأمام الرجل حقيقة لا يستطيع إنكارها. وكان وراءه نظام لا يسمح له بالاعتراف بها. ظل المطر يهطل، وفي تلك اللحظة شعر الضابط المسؤول أن الملجأ صار أضيق من أن يتسع للجميع. قال أخيراً: ـ ملازم عبدالله... توقف. ثم قال: ـ اخرج. رفع عبدالله رأسه. ـ إلى أين؟ ـ اخرج فقط. ـ وهل... قاطعه: ـ ستتم محاسبتك على هذا الكلام عاجلاً أم آجلاً. نهض عبدالله، لبس معطفه بارتباك. وقبل أن يخرج، نظر إلى الصفائح الموضوعة تحت السرير. ثم نظر إلى الضابط المسؤول، لم يقل شيئاً. خرج. انغلق باب الملجأ خلفه، عاد الصمت. عاد الضابط المسؤول ليجلس في مكانه، وبقيت عيناه معلقتين بالباب. قال أحد الضباط بصوت خافت: ـ ما العمل.. لم يرد. ـ هل كان مخطئاً؟ رفع الضابط المسؤول رأسه، نظر إلى وجوههم، ثم إلى الصفيح، ثم إلى الصفائح الصغيرة تحت سريره، وأخيراً إلى الورقة التي تحمل التعليمات. لم يجد جواباً.
في الخارج، كان الملازم عبدالله يمشي في الطين. كل خطوة كانت تغوص في الأرض، كان المطر يغسل وجهه، لكنه لم يستطع أن يغسل الكلمات التي قالها. توقف لحظة، رفع رأسه نحو السماء. كانت الغيمة ثقيلة، ممتلئة بالماء. فكر: - هل ستفرغ ما فيها ثم ترحل؟ ثم صمت: - أم أن لديها خزاناً آخر لا ينفد؟ ثم واصل السير. وفي الملجأ، بقي الضباط صامتين. كان صوت المطر يعلو فوق الصفيح، وفجأة سقطت قطرة من السقف داخل الصفيحة الصغيرة التي بقيت مفتوحة تحت السرير: قطرة واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة. نظر الضابط المسؤول إليها طويلاً. ولم يعرف للحظة، أكان ذلك ماءً يتسرب من المطر... أم أن السماء نفسها كانت تسألهم عن منجزاتهم.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
-
رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود
...
-
قصة قصيرة: حلم السقوط
-
الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك
...
-
قصة قصيرة: لحظات الأفول
-
رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية
...
-
تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د
...
-
قصة قصيرة: وجه من الحرب
-
العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو
...
-
قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
-
حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو
...
-
حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو
...
-
قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
-
قصة قصيرة: القرار
-
قصة قصيرة: أحضان أُم
-
قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
-
قصة قصيرة: السرّكال
-
قصة قصيرة: همس القيد
-
حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد
...
-
حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد
...
المزيد.....
-
-حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا
...
-
-أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج
...
-
إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام
...
-
جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه
...
-
الولايات المتحدة: هيئة محلفين تدين زعيم عصابة بتهمة قتل مغني
...
-
بعد 30 عاما من الغموض.. إدانة العقل المدبر وراء مقتل أسطورة
...
-
ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي
...
-
أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ
...
-
شاعر سوري يفوز بجائزة -عبد العزيز سعود البابطين- التقديرية ل
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|