أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز















المزيد.....

سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 08:45
المحور: الادب والفن
    


ليس المكان في العمل الروائي رقعةً جغرافية صامتة تتحرك فوقها الشخصيات، ولا خلفيةً محايدة للأحداث، بل هو فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والخوف والحنين والانتماء. فالإنسان لا يسكن المكان بجسده وحده، وإنما يسكنه بوجدانه، ولذلك قد يتحول المكان الذي منحه في طفولته الأمان إلى ذاكرة موجعة، وقد يصبح البيت الذي كان مأوى للدفء العائلي جرحاً مفتوحاً بفعل الحرب أو الفقد أو الرحيل. ومن هنا، لا تُقاس قيمة المكان في الأدب بمساحته، وإنما بمقدار حضوره في النفس؛ فقد تتسع غرفة صغيرة لتحتوي عالماً كاملاً، بينما قد يضيق الوطن بأبنائه حين يفقدون فيه الأمان والكرامة والانتماء.
ومن هذا المنظور تتشكل جدلية المكان الأليف والمكان الرافض؛ فالمكان الأليف هو الذي يمنح الإنسان الاحتواء والسكينة، ويتيح له أن يرى ذاته ممتدة فيه. وفي هذا السياق تكتسب مقولة "غاستون باشلار":
"البيت ركننا في العالم"
فالبيت ليس بناءً مادياً فحسب، بل الصورة الأولى للمأوى والطمأنينة والانتماء. ويتسع معنى السكن، في بعده الوجودي، ليصبح شعوراً بأن للإنسان موضعاً في العالم، وهو ما يقترب من تصور مارتن هايدغر للسكن بوصفه إحدى طرائق وجود الإنسان.
غير أن المأساة تبدأ حين يفقد المكان وظيفته النفسية؛ فيتحول البيت من مأوى إلى مكان مهدد، والمدينة من فضاء للذاكرة إلى مساحة للخوف، والطريق من وسيلة للعبور إلى رحلة للنجاة، والوطن من معنى للانتماء إلى مصدر للقلق. عندئذ لا يتغير المكان خارجياً فحسب، بل تتغير صورته في وعي الإنسان، فتتحول الألفة إلى حذر، والانتماء إلى سؤال، والدفء إلى اغتراب، وصولاً إلى الرفض.
ومن هنا تدخل دلة الرواز إلى عالم روايتها "وطن الخنادق" فتجعل المكان عنصراً فاعلاً في تشكيل التجربة الإنسانية. فالحرب في الرواية لا تهدم الأبنية وحدها، وإنما تهدم العلاقة النفسية التي تربط الإنسان بها؛ ولا تفرض الرحيل عن المكان فقط، بل تجعل الإنسان يحمله معه بوصفه ذاكرة وجرحاً وحنيناً. لذلك تصبح قراءة الرواية من خلال سيكولوجيا المكان محاولة لتتبع انتقال الأمكنة في وعي الشخصيات من الدفء إلى الخوف، ومن الألفة إلى الاغتراب، ومن الانتماء إلى الرفض.
ولا يقتصر الأمر على التجسيد السيكولوجي للمكان، أي ما يثيره من مشاعر في وعي الشخصية، بل يمتد إلى التجسيد الروائي لتحولاته؛ فالمكان يؤدي وظيفة بنائية ودلالية في الأحداث: البيت يؤثر في العلاقات الأسرية، والمدينة تصوغ الوعي، والخندق يحدد طبيعة المواجهة، والطريق يكشف معنى الرحيل، والمقبرة تفتح سؤال الموت والذاكرة. وبذلك تتخذ حركة المكان في الرواية مساراً دلالياً متدرجاً: الألفة، التهديد، الخوف، الرحيل، الاغتراب، الرفض، ثم الحنين.
يبدأ المكان الأليف من الدائرة الصغيرة في الوطن الأول: البيت والأسرة والطفولة. فالبيت وطن صغير تتشكل داخله الذاكرة الأولى، ويتعلم الإنسان فيه معنى القرب والانتماء والأمان. ويتجسد هذا الدفء في منزل العائلة في الموصل، حيث تجتمع الشخصيات ضمن فضاء عائلي يجمع بيرق وزوجته ومزاحم ودانة. لذلك لا يكون البيت مجرد مسرح للأحداث، بل صورة مصغرة عن الوطن؛ إذ تتجمع داخله العلاقات والذكريات والأحلام.
لكن هذه الألفة لا تبقى ثابتة. فالحرب والملاحقات السياسية والوشايات تقتحم خصوصية المكان، فيتحول البيت تدريجياً من حصن نفسي إلى فضاء مهدد. وتبلغ هذه التحولات ذروتها حين تضطر دانة إلى ترك البيت والنقش على جدرانه قبل الرحيل. فالكتابة على الجدار ليست فعلاً عابراً، بل محاولة رمزية لترك الذات داخل المكان؛ فهي لا تغادر البيت تماماً، وإنما تترك أثراً منها فيه، وكأنها تدرك أن الرحيل الجسدي لا يعني الرحيل النفسي. وهنا يتجسد المعنى العميق لسيكولوجيا المكان :قد يبقى الجدار قائماً، لكن البيت ينهار في داخل الإنسان.
بعد البيت تتسع دائرة المكان لتشمل المدينة. فالمدينة ليست شوارع وأبنية، بل فضاء تتشكل فيه الهوية الفردية والجماعية. ويمثل شارع النجفي وأزقة الموصل القديمة فضاءً أساسياً في تشكيل الوعي الثقافي والروحي لمزاحم؛ إنها أمكنة مرتبطة بالكتاب والثقافة والحلم، ولذلك تصبح المدينة جزءاً من تكوين الشخصية لا مجرد مسرح للأحداث.
لكن التحول السياسي والخوف والرقابة يغيران وظيفة المدينة؛ فالمكان الذي كان يفتح أبوابه للوعي يصبح مكاناً يراقب أبناءه، والشارع الذي كان مساحة للحياة يصبح محكوماً بالحذر. وهنا تبدأ المدينة في فقدان أُلفتها، لا لأن مبانيها اختفت، بل لأن الإنسان فقد حريته داخلها. ومن ثم يبدأ الاغتراب قبل مغادرة المدينة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يصبح غريباً في مكانه، حين تنكسر علاقته النفسية به.
ثم تتوسع الرواية في اقتلاع الجغرافيا والذات، فمن الموصل ينتقل السرد إلى الجنوب، إلى الفاو والبصرة، حيث تتعمق تجربة التحول المكاني. فالرحيل من الشمال إلى الجنوب ليس مجرد انتقال من بيئة طبيعية إلى أخرى، بل تجربة اقتلاع نفسي؛ إذ تصطدم ذاكرة المكان الأول بواقع مكان جديد، وتحاول الشخصيات إعادة تشكيل علاقتها بمحيطها.
وهكذا يصبح النزوح تجربة مزدوجة: رحيل عن الجغرافيا ومحاولة شاقة للبحث عن جغرافيا نفسية بديلة. فالمشكلة ليست في العثور على مكان جديد فحسب، وإنما في القدرة على السكن فيه وجدانياً، بعدما أصبح المكان الأول جزءاً من تكوين الذات.
هنا، يتجلى عنوان الرواية بوصفه مفتاحاً أساسياً لسيكولوجيا المكان. فــ وطن الخنادق ليس وطناً امتلأت أرضه بالخنادق فحسب، بل وطن تحوّل في وعي شخصياته إلى خندق وجودي. والخندق يحمل مفارقة عميقة؛ فهو يُحفر للحماية، لكنه يوجد في قلب الخطر. يدخل إليه الإنسان لكي ينجو، لكنه يبقى قريباً من الموت. ومن هنا يتحول الخندق إلى رمز نفسي يجمع بين الرغبة في البقاء والإحساس الدائم بالتهديد.
وتتجسد هذه المفارقة في مسار بيرق، الذي ينتقل من صورة الضابط والطيار إلى الانكسار والاغتراب. وهنا لا يعود الخندق مكاناً عسكرياً فقط، بل يتحول إلى حالة نفسية يجد الإنسان نفسه محاصراً داخلها. فالوطن الذي يفترض أن يكون فضاءً للحماية يصبح شبيهاً بالخندق: حدود ضيقة، خوف دائم، وانتظار لمواجهة لا تنتهي.
ثم يتحول المكان الذي يحفظ ما عجز الوطن عن حفظه، إذ تضيف رحلة حمل جثمان مزاحم ودفنه بعداً آخر لتحولات المكان؛ إذ تتحول المقبرة إلى فضاء يتجاوز الموت الفردي، لتصبح شاهداً على الذاكرة ومقاومة النسيان. فالقبر لا يمثل نهاية المكان، بل محاولة لتثبيت الإنسان في مكان أخير بعد سلسلة من الاقتلاعات.
ومن هنا يصبح الاسم دلالة على مقاومة المحو؛ فإذا كانت الحرب قد نزعت الإنسان من بيته ومدينته، فإن القبر يحاول أن يمنحه موضعاً لا يُنتزع منه بسهولة. وهكذا تتقاطع المقبرة مع البيت؛ كلاهما مكان للحفظ، غير أن البيت يحفظ الإنسان حياً، بينما تحفظه المقبرة في الذاكرة بعد الموت.
كذلك تتجسد سيكولوجيا المكان في صورة رمزية مؤثرة من خلال بناء دانة بيوتاً صغيرة من الرمل على شاطئ الفاو. فهذه البيوت ليست لعباً طفولياً عابراً، بل محاولة نفسية لإعادة بناء البيت الذي فقدته. والرمل يحمل دلالة مزدوجة؛ فهو مادة البناء، لكنه في الوقت نفسه مادة غير مستقرة. تبني دانة البيت، ثم يأتي المد ليمحوه، فتعود إلى البناء من جديد. وبين البناء والمحو تتجسد دورة الفقد الإنساني.
إنها محاولة مستمرة لترميم السكن النفسي الذي هدمه الواقع. فحين يعجز الإنسان عن استعادة بيته الحقيقي، يحاول أن يبنيه في الذاكرة أو الخيال أو الرمز. لكن المد لا يترك البيت قائماً، فتتجسد المفارقة المأساوية: كل محاولة لاستعادة الماضي تصطدم بقوة الواقع. ومع ذلك تستمر دانة في البناء، وكأن الرواية تقول إن الإنسان، حتى حين يعرف أن ما يبنيه قد ينهار، لا يستطيع التوقف عن البحث عن مكان يؤويه.
تصل سيكولوجيا المكان في "وطن الخنادق" إلى حقيقة إنسانية مؤلمة: إن أقسى أشكال الغربة ليست أن تفقد مكانك، بل أن يبقى مكانك في داخلك بعد أن يفقد قدرته على إبقائك فيه.
فالإنسان قد يترك بيته، لكنه يحمل تفاصيله في الذاكرة، وقد يغادر مدينته، لكنها تستمر في تشكيل ملامحه، وقد يحاول رفض وطن جرحه، لكنه يكتشف أن الرفض نفسه لا يخلو من أثر الحب. وهكذا ترسم دلة الرواز حركة مكانية ونفسية تبدأ بالدفء، وتمر بالخوف والاقتلاع والاغتراب، لتصل إلى الرفض المكاني، غير أن هذا الرفض لا يمثل نهاية العلاقة بالمكان؛ لأن الذاكرة تظل تعيد الإنسان إلى ما فقده.
ومن البيت إلى المدينة، ومن المدينة إلى الخندق، ومن الخندق إلى الطريق والمقبرة والمنفى، تتكشف رحلة الإنسان في بحثه عن مكان يستطيع أن يسكنه نفسياً، لا جسدياً فحسب. فالمكان لا يُقاس باتساعه الجغرافي، وإنما بما يمنحه للإنسان من أمان وكرامة وانتماء. وحين يفقد الوطن قدرته على احتضان أبنائه، تتحول الجغرافيا إلى قلق، ويصبح الانتماء سؤالاً يحتاج إلى إعادة اكتشاف.
ومع ذلك لا يختفي المكان من الإنسان؛ فهو يظل حاضراً في الحنين، وفي الذاكرة، وفي محاولة بناء بيت من الرمال، وفي كلمة تُكتب على جدار، وفي اسم يحاول الإنسان حمايته من النسيان. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة في الرواية: قد يستطيع الإنسان أن يرحل عن المكان، لكنه لا يستطيع دائماً أن يجعل المكان يرحل عنه؛ فالأمكنة التي عشنا فيها تظل تسكننا، حتى حين تتحول من وطن إلى جرح.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد
- حسن مطلك ودابادا بين أبدية النص وخلود الكاتب: تأملات في قصيد ...


المزيد.....




- من الأسد الذهبي إلى مقاعد التحكيم.. صناعة السينما العربية تف ...
- -جدران من قماش- لنعمة حسن: توثيق العام الأول من حرب الإبادة ...
- 8 جامعات تلتقي على خشبة -القصبة- ومواهب شابة تشق طريقها إلى ...
- تزايد القلق داخل البنتاغون بشأن تركيز هيغسيث على حروب الثقاف ...
- خطة ترامب لإنقاذ هوليوود تهدد صناعة السينما الكندية
- النار.. مفتاح محتمل لنشأة اللغة البشرية!
- بعد استقالة -رجل المسيّرات-.. مصادر لـCNN: مخاوف في الجيش ال ...
- رحيل خالد كافو.. الكوميديا الليبية تفقد أحد أبرز وجوهها
- البحر الأحمر السينمائي: حضور بارزفي مهرجان البندقية السينمائ ...
- -أنت لا تنتمي إلى هنا-: أسلوب سينمائي مختلف يكشف تغيّراً في ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز