أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاكرة؛ قراءة في أثر خلف فرج السبهان















المزيد.....

حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاكرة؛ قراءة في أثر خلف فرج السبهان


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 08:01
المحور: الادب والفن
    


ليس الفقد، في جوهره، أن يغيب إنسان عن المكان، وإنما أن يتغير معنى المكان بعد غيابه. فبعض الأشخاص لا يكونون مجرد عابرين في حياتنا، بل يتحول حضورهم، مع مرور الأيام، إلى جزء من الأمكنة والأحاديث والذكريات؛ فإذا رحلوا، لم يعد المكان هو المكان، ولا الطريق هو الطريق، ولا التفاصيل الصغيرة قادرة على الاحتفاظ ببراءتها الأولى.
ولعل أقسى أشكال الفقد أن يكون الراحل صديقاً تجاوزت الصداقة معه حدودها المألوفة، حتى صار في منزلة الأخ. عندها لا يفقد الإنسان شخصاً فحسب، وإنما يفقد جزءاً من تاريخ مشترك، وملامح مرحلة، وأحاديث لا يمكن استعادتها بالطريقة نفسها. يصبح الغياب اقتطاعاً هادئاً من نسيج الأيام، ويصبح الحنين محاولة مستمرة لترميم ذلك الجزء الذي تركه الراحل خلفه.
من هنا يمكن النظر إلى الموت بوصفه انتقالاً لا انقطاعاً؛ انتقال الإنسان من الأمكنة التي كان يشغلها بجسده وصوته وحركته، إلى الأمكنة التي تسكنها الذاكرة. فحين يغيب الجسد، تبدأ الذاكرة في أداء وظيفة أخرى: تستعيد الصوت حين نصمت، والوجه حين نشتاق، والموقف حين نحتاج إلى استحضار زمن كان أكثر دفئاً.
وليس غريباً أن تتحول الأمكنة، بعد رحيل أصحابها، إلى ما يشبه الشهود. مقعد كان يجلس عليه، طريق اعتاد أن يسلكه، مجلس شهد أحاديثه، أو زاوية صغيرة ارتبطت بوجوده؛ كلها تصبح قابلة لأن تستدعيه من الغياب. وكأن المكان لا ينسى بسهولة من منحه شيئاً من روحه.
وهذا ما يجعل رحيل خلف فرج سبهان الجبوري، أبا عماد، أكثر من مناسبة لاستعادة ذكرى شخص عزيز؛ إنه مناسبة للتأمل في معنى الحضور الإنساني حين يتجاوز حدود الحياة اليومية. فقد كان، في ذاكرة أصدقائه، أخاً وصديقاً وخليلاً، ولهذا لم يكن رحيله غياب رجل عزيز وحسب، بل غياب جزء من أيام عاشها الآخرون معه، ثم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواصلة الحياة من دونه. وهذا المعنى حين يتحول الرحيل إلى اقتطاع من الأيام وإلى فراغ تعجز الكلمات عن ملئه.
ولعل الصداقة الحقيقية معه لا تُقاس بعدد السنوات التي جمعت أصحابها، وإنما بما تتركه من أثر بعد انتهاء اللقاءات. فهناك أشخاص يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون التجربة الإنسانية لمن عرفوهم. يظلون حاضرين في جملة عابرة، وفي موقف يتكرر صداه، وفي مكان يوقظ الذاكرة من سباتها. ولذلك فإن بعض الغياب لا يُحتمل بالنسيان، وإنما يُعاش بالحضور الداخلي.

يقول "مارتن هايدغر":
"الإنسان كائنٌ نحو الموت"
وهي عبارة لا تجعل الموت نهاية منفصلة عن الحياة، بل تكشف أن وعي الإنسان بفنائه جزء من وجوده نفسه. غير أن الموت، حين يخص من نحب، لا يعرّفنا بفناء الجسد وحده، بل يضعنا أمام سؤال آخر: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يغادر جسده المكان؟ ربما يبقى ما هو أعمق من الجسد: الأثر.
والأثر ليس شيئاً مادياً يمكن الإمساك به، وإنما حضور يتشكل في ذاكرة الآخرين. قد يكون كلمة قالها الراحل في وقت لم ندرك أهميتها، أو موقفاً إنسانياً بقي عالقاً في النفس، أو ابتسامة تستعيدها الذاكرة فجأة، أو حديثاً قصيراً يصبح، بعد سنوات، أكثر قيمة من كثير من الكلام.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم قول "مارسيل بروست":
"الذكرى تستعيد الماضي"
فالذاكرة لا تحفظ الأحداث كما وقعت فقط، وإنما تمنحها حياة جديدة كلما استدعيناها. ولذلك قد يبدو الراحل غائباً عن العين، لكنه يستعيد حضوره في الذاكرة كلما فتح الحنين نافذة على الماضي.
ومع مرور أعواد على رحيل الأخ أبي عماد، لا يبدو الزمن قادراً على إغلاق الأبواب التي فتحتها الذكرى. فالزمن لا يمحو بالضرورة ما كان عميقاً في النفس؛ إنه يغير طريقة حضور الأشياء فيها. في البداية يكون الغياب صدمة، ثم يتحول إلى حنين، ثم يصبح الحنين جزءاً من الذاكرة اليومية. وفي مرحلة ما، لا يعود السؤال: لماذا رحل؟ بل يصبح: كيف بقي؟
لقد تغيرت العلاقة مع المكان بعد رحيله. المكان في الحي السكني الذي كان يحتضن حضوره أصبح يستدعيه، والطرقات التي كانت عادية صارت الآن تحمل ظلالاً من الماضي، والأحاديث في شركة مصافي الشمال التي كان طرفاً فيها صارت ناقصة، لا لأن الكلام انتهى، وإنما لأن صوتاً كان يمنحه معنى لم يعد حاضراً.
وهنا يصبح المكان أكثر من جغرافيا؛ يصبح ذاكرة مرئية. فالمكان لا يتحدث بلغة الكلمات، لكنه قد يتحدث بلغة الغياب. قد يجلس الصديق في الموضع نفسه، فيشعر أن ثمة شخصاً كان ينبغي أن يكون هناك. وقد يمر في الطريق ذاته، فتنهض من داخله صورة قديمة. وقد يسمع عبارة اعتاد الراحل قولها، فيشعر للحظة أن المسافة بين الماضي والحاضر قد اختفت.
إننا لا نفتقد الأشخاص فقط، بل نفتقد نسختنا من الحياة حين كانوا فيها. وهذا ربما هو أحد أعمق معاني الفقد؛ فنحن لا نبكي الراحل أبا عماد وحده، وإنما نبكي الأيام التي كانت ممكنة بوجوده، والضحكات التي لن تتكرر بالطريقة ذاتها، واللقاءات التي انتهت دون أن نعرف أنها كانت الأخيرة.
لهذا فإن البكاء على الراحل ليس ضعفاً أمام الموت رغم أنه يستحق غزارة الدموع، بل اعتراف بقيمة الحياة التي عاشها معنا. والحنين ليس رفضاً للواقع، وإنما طريقة القلب في حفظ ما يخشى عليه من النسيان.
ولعل الأحلام، في هذا السياق، تصبح مساحة رمادية بين الغياب والحضور. ففي المنام قد يعود أبو عماد بلا مقدمات، كما لو أن الموت لم يحدث. نستعيد صوته، نراه قريباً، نتحدث إليه، ثم نستيقظ فنكتشف أن المسافة عادت من جديد، وأن الحلم كان أكثر رحمة من اليقظة. وهذه المفارقة المؤلمة بين الحلم الذي يمنح لحظة لقاء، واليقظة التي تعيد حقيقة الغياب.
غير أن الحضور الحقيقي لخلف الفرج السبهان لا يحتاج إلى حلم. يكفي أن تظل سيرته طيبة في أفواه من عرفوه، وأن تستمر صورته في ذاكرة أصدقائه، وأن يبقى أثره في المواقف التي عاشها معهم. عندها يصبح الموت عاجزاً عن إتمام مهمته كاملة؛ فقد أخذ الجسد، لكنه لم يستطع أن يأخذ المعنى.
وهكذا انتقل خلف الفرج بهدوء من الحياة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى القلب. وهذه ليست استعارة للرثاء بقدر ما هي محاولة لفهم الطريقة التي يستمر بها الإنسان في حياة الآخرين. فالذين نحبهم لا يختفون دفعة واحدة؛ إنهم ينسحبون من المكان شيئاً فشيئاً، ثم يعيدون بناء حضورهم داخلنا بصورة مختلفة.
ربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل دائماً: أين ذهب الراحلون؟ فبعضهم لم يذهب بعيداً. إنهم في الأمكنة التي عرفوها، وفي الوجوه التي أحبتهم، وفي الحكايات التي تُروى عنهم، وفي لحظة صمت مفاجئة تجعل أحدنا يلتفت وكأنه ينتظر أن يسمع صوتاً يعرفه.
أعوام مضت على رحيل أبي عماد، وما زالت الأمكنة، كلما مر بها الذين أحبوه، تبدو وكأنها تعرفه أكثر مما نعرفه نحن. وما زالت الذاكرة تفتح أبوابها في اللحظة التي نظن فيها أننا تعلمنا كيف نعيش الغياب، وما زال بسمان السعيد يبتسم بهدوء على كلامه، وما زال السيد أبو أحمد يرافقه أينما حل ورحل، وما زلنا نراه في ملامح الدكتور يونس، وصوته في ولده سبهان.
ولعل الفقد، في نهايته المفتوحة، ليس أن نتعلم كيف ننسى، بل أن نتعلم كيف نحمل الذين رحلوا معنا دون أن نتوقف عن السير.
فمتى يصمت المكان؟ ربما حين تنسى الذاكرة. أما ما دام في القلب متسع لاسم، ولصوت، ولوجه، ولحكاية، فإن بعض الراحلين لا يغيبون، إنهم فقط يغيّرون مكانهم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط


المزيد.....




- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...
- فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان
- الخارجية الأمريكية مولت بودكاست باللغة الروسية للترويج لمجتم ...
- -ثقافة التنوع في السرديات العراقية- في المعهد الثقافي الفرنس ...
- سوريا.. من ريف إدلب إلى المتحف الوطني تروى حكاية 513 قطعة أ ...
- من -غلادياتور- إلى -الأوديسة-.. لماذا تحول المغرب إلى وجهة ل ...
- أكاديمية غزة للسينما.. مشروع جديد للتدريب وإنتاج الأفلام بال ...
- -أكاديمية غزة للسينما-.. مبادرة من فينيسيا لدعم السينمائيين ...
- 3 آلاف فيلم بلا كاميرات.. سينما الذكاء الاصطناعي تتسلل إلى ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاكرة؛ قراءة في أثر خلف فرج السبهان