أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: هل أنا موجود














المزيد.....

نص نثري: هل أنا موجود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 14:02
المحور: الادب والفن
    


الحاضر يهوي بكل صخبه،
ينهار من حولي كجدارٍ قديم، وأنا أقف في منتصف الركام، أراقب الأشياء وهي تفقد أسماءها وملامحها. حتى الابتسامة تجمّدت على الشفاه، كأنها وصلت متأخرة إلى وجهٍ لم يعد يعرف كيف يفرح، بينما نَصَبَ الصمت خيمته في المكان، وأخذ يتفحّص الوجوه واحداً واحداً، كأنه يبحث بينها عن وجهٍ يعرفه.
يتقاطر سيل الذكريات...
لا تأتي الذكريات منفردة؛ إنها تتدافع ككومة رمادٍ بعثرتها ريحٌ عمياء، أو كسديمٍ أسود لا بداية له ولا نهاية. تتطاير في فضاء الذاكرة، تسبح في الفراغ الممتد إلى ما لا نهاية، ثم تنقضّ على مخيلتي دفعةً واحدة، فتزدحم في رأسي حتى أشعر أن جمجمتي أضيق من أن تتسع لكل هذا الماضي.
أحاول أن أتخلص منها،
أخفف وطأتها،
أغلق منافذ الذاكرة، وأهرب إلى اللاهدف، إلى تلك المنطقة الرمادية التي لا سؤال فيها ولا جواب، لا أمس يطالبني بحسابه، ولا غدٌ ينتظر مني شيئاً.
لكنني كلما حاولت الهرب، وجدتها أمامي. في الشوارع، تتكاثر الأشباح. أراها في هيئة زحامٍ يتحرك، وجوهاً تمرّ بي ولا تلتفت، أجساداً تعبر المكان وكأنها تعرف إلى أين تمضي، بينما أمضي بينها بلا جهة، بلا يقين، كأنني الغريب الوحيد في مدينةٍ كنت يوماً جزءاً من ذاكرتها.
ومن خلف الأبواب المغلقة، تتسلل ضحكات الطفولة، ضحكات بعيدة، لكنها أكثر حضوراً من كل ما يحيط بي. أسمع وقع خطواتٍ صغيرة، وأرى ألعاباً مبعثرة في زوايا الذاكرة، وأشم رائحة أيامٍ لم تعد موجودة إلا في مكانٍ ما داخل الروح. أمد يدي إليها، فتبتعد. أركض خلفها، فتتوارى. وكأن الماضي يعرف أنني أبحث عنه، فيتعمد أن يترك بيني وبينه مسافةً لا تُقطع.
أحاول أن أتعلق باللاشيء،
فاللاشيء، أحياناً، يبدو أكثر أماناً من الأشياء التي فقدت معناها.
أتعلق بالصمت، بالفراغ، بظلٍ عابر على جدار، بصوتٍ مجهول يأتي من آخر الطريق. أبحث عن شيءٍ صغير يثبت أنني ما زلت هنا، أن هذا الجسد الذي يتحرك بين الناس ليس مجرد بقايا رجلٍ تركه الزمن واقفاً عند عتبةٍ لم يعد يعرف إلى أي جهةٍ تفتح.
لا أحد يسمع.
ولا أحد يرى.
أصرخ في داخلي، فلا يصل صوتي إلى أحد.
أحدّق في الوجوه، فلا أجد بينها عيناً تتوقف عندي. ألوّح للمارّة كأنني أستجدي منهم اعترافاً بسيطاً بوجودي، لكنهم يمضون، وكأنني شفافيةٌ عابرة، أو ظلٌّ أخطأ الطريق إلى جسده.
فأعود إلى السؤال ذاته: ترى... هل أنا موجود؟ أم أنني مجرد أثرٍ تركه زمنٌ مضى، ثم نسيه؟
ربما كنتُ هنا ذات يوم، أضحك كما يضحك الأطفال، وأركض خلف أحلامي دون أن أعرف أن للأحلام عمراً، وأن للأمكنة ذاكرة، وأن الإنسان قد يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن كل الذين عرفهم قد مضوا، وأن الأشياء التي أحبها تبدلت، وأن المرآة نفسها لم تعد تعيد إليه وجهه القديم.
ربما لم أعد من الحاضر.
ربما أنا من ماضٍ بعيد، ظلّ يمشي في شوارع اليوم بحثاً عن نفسه، يطرق الأبواب التي أُغلقت، ويصغي إلى الضحكات التي انطفأت، ويجمع من بين الرماد ملامح رجلٍ كانه ذات يوم.
وربما...
لستُ أبحث عن إجابةٍ لسؤال: هل أنا موجود؟
ربما أبحث فقط عن دليلٍ صغير، مهما كان هشّاً، يقول إنني لم أختفِ تماماً...
أن شيئاً مني ما زال عالقاً هنا؛ في ذاكرةٍ لم تمت، في بابٍ لم يُغلق تماماً، في ضحكة طفلٍ تتسلل من خلف الزمن...
أو في هذا السؤال نفسه، الذي ما زال يصرخ في داخلي: هل أنا موجود؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...


المزيد.....




- أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
- من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د ...
- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...
- حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...
- ممثلة أمريكية تلفت الأنظار بدبوس أحمر في مهرجان البندقية الس ...
- من اسطنبول إلى أنقرة.. تفاصيل جنازة الفنان التركي سرحات كيلي ...
- بين الخيام والركام.. سينما متنقلة تعرض لأطفال غزة لحظة فرح
- -البحث عن رسول-: رحلة سينمائية في أعماق روح غامزاتوف تفتتح - ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: هل أنا موجود