أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: سرابُ العمر















المزيد.....

قصة قصيرة: سرابُ العمر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 02:22
المحور: الادب والفن
    


يذهبُ بعيدا في آماله بعدما خطرت في رأسهِ فكرةً من تلقاءِ نفسها إلى ذلك الوميضِ الاعتباري الذي يدرك أنه في أمسِ الحاجة إليه، لم تكن تمثلُ شيئاً في البدايةِ وهو يسير على خطا ابيه، إلا أنها أصبحت مع الأيامِ تتغلغلُ في أغوارِ روحه، استجابةً لحافزٍ داخلي لم يتمكن من مقاومته، وضجة في الرأسِ تزيده حضورا، تُهيجها عواصفُ الوحدةِ مع تدفقِ الزمن، إذ كان يدركُ بأنه يتحسرُ إلى شيءٍ مجهول, ذلك الذي لا يعي ما يكون، ربما هو بدايةُ التفكيرِ للتغييرِ في بعضِ من مساراتِ حياته، غير متأكدٍ تماما, وكيف يجرؤ على ذلك، حتى وأن أعياه الركضُ وراء سرابِ الأيام، وعانى ما عانى في طفولته كثيرا، وحضرَ ذلك التخلي وابتعد عن نظراتِ الآخرين.
ينظرُ إلى التلالِ غربَ النهرِ التي ألفها تبتلعُ الشمسَ نهايةَ كلِّ نهار، لا يعلمُ كمْ مرَ من الوقت، فالأمواجُ ترتفعُ في ذلك اليومِ الأخيرِ من شهرِ شباط، تتناغمُ ونزعته المتغيرة، تضربُ الجرفَ بقوتِها كلِّها، فتهبطُ كتلٌ ترابيةٌ كبيرةٌ بشكلٍ مدوٍ في الضفةِ الثانية، فتخرجه من ذلك التعلقِ بفضائه الافتراضي الذي يتخيله على الدوامِ بهدوءٍ مصطنع، خليطٌ متشابكٌ من تلك التخيلات، تجتاحه غمامةٌ أشبهُ بالضبابيةِ تحجبُ رؤيةَ الأشياءِ بدقة، وبما يدورُ في الضفةِ التي يجلسُ عليها، ويراوده هاجسٌ ينذره بحدوثِ خطرٍ وشيكٍ هنالك، فيتراكمُ في صدره ضغطٌ كبير، تمتدُ تلك التخيلاتُ على حركاتِ جسده، فلا يستقرُ في مكانه أكثر من دقائقٍ قليلة، لذا تجده يتأهبُ من دون وعي لمهاجمةِ ذلك الذي ارتسمَ في مخيلته.
يتسمرُ في الأرضِ وقد غطى جسمه بمعطفٍ طويلٍ كي يتقي البردَ القارس، ولم يدعْ سوى يده اليمنى وهي تمسكُ غليونه، تُفجرُ إشارةٌ في رأسه، إذ لم يكن في حالةِ وئامٍ مع نفسه، يسحبُ نفساً عميقا، يحاولُ أن يبدلَ غيظه بهيئةِ كلماتٍ يطلقها بأعلى صوته، إلا أنه وجدَ ذلك الصوتَ يتلاشى مع الهديرِ المتصاعدِ لجريانِ النهر، وهنالك إيقاعٌ غريبٌ عند مخارجِ الحروف، فالكلامُ حينما لا يمكنه الخروجَ يصبح قاسيا، يخفقُ قلبه وتزدادُ نبضاته مع وتيرةِ انبعاثِ روحه أقرب إلى التحدي، يحاولُ أن يصنعَ لنفسه شيئاً ما، وشعورٌ في دواخله بدأ يتعاظمُ ليعلنَ بضرورةِ التصرف، ليفتحَ البابَ وربما الدخولُ في متاهةِ من الأوهام، ففي قاموسه فقدانُ الوجودِ أقسى من الفقر.
يسودُ الصمتُ بعدما تبددَ صدى الكلمات، أو هكذا يتصور، ولم يعدْ بإمكانه أن يميزَ ما بين أسبابِ ذلك التحدي والحاجةِ الملحةِ إلى تجاوزِ الحدودِ التي وجدَ نفسه ضمن مداها، فالأمرُ يتعلقُ بما يمتلكه من ذهنيةِ العوزِ المتعاظم، تتحولُ تلك الهواجسُ التي بدت تضربُ في الرأسِ إلى مطارقٍ من حديد، لذا أصبح يتمنى لو يرى العالمَ المحظوظَ كما يتصوره وقد أخذ بالتلاشي في الضفةِ الغربية، جوٌ يتطابقُ مع تلك الدواخلِ المضطربةِ فتوقظُ أحاسيسه، فتتبددُ موجةُ الاكتئابِ التي طغت على الروح، وتبدأ الآمالُ تتسربُ إلى الذاكرةِ بعدما كانت كخيطِ دخان، فتتشكلُ على هيئةِ صروحٍ شامخةٍ تنتصبُ أمامه، على الحافة، وحتى فوق الماءِ المتدفقِ تقاوم الجريان، وتتلاشى من على تلك الضفةِ الأخرى.
يتوقُ لسماعِ أيّ خبرٍ ينبئه بذاتِ الوجود، يزيحُ سوادَ الغيومِ في الجزءِ اللامعقولِ من الزمن، ففاقدُ الشيءِ يُكثرُ التحدثَ عنه وإن كان مع نفسه أو التفكير به، في تلك العزلةِ التي وجدها خياره الوحيد، تتناغمُ وذلك الشعورُ بالرفعةِ والأنفةِ التي أودعهما والده من اللاشيء في مخيلته، لم يكنْ في هذا المكانِ لو لم تتم نشأته في هذه العزلة، فوالده كان مصراً على ذلك حتى وهو ينظرُ إلى جهةِ الموتِ في أيامهِ الأخيرة، لذا بدا يشعرُ بأنه لن يتمكنَ في التحكمِ في حياته، فكأنها رسمت له وعليه الاتباع ، فتنتابه نوباتٌ عصبيةٌ تصل إلى حدِ الانفجارِ مع أفرادِ أسرته.
تمرُ الأيامُ وهو يكررُ ذلك الحضورَ في نفسِ المكان، ينتظرُ وصولَ الزورقِ الخشبي الذي يمكنه مقاومةَ مثل تلك التموجات، يحملُ الأجسادَ المتعبةَ والخائفةَ من الغرق، تحملُ الأخبارَ دائما بنفسِ التصور، فيجدُ مزيجاً من الفرحِ والحزنِ طريقهما إلى القلب، مع أنَّ المكانَ أصبح تمطره الوحدة، لذا بدا كأنه يستثيرُ ما بداخله من إرادة، مع احتماليةِ أن يتحققَ ما كان يتخيله، وهي إنذارٌ لبدايةِ الانهيارِ في الجهةِ الأخرى من النهر، لذا أصبح يلوذُ في شبهِ نشوة، أقرب إلى الهذيان، أخذ يتخيلُ أشخاصاً يختارُ هيئاتهم، ثم يحاولُ أن يكسرَ حاجزَ الصمتِ بمحاورتهم، ليتمكنَ في النهايةِ من إقناعِهم والوقوفِ إلى جانبه، فيجدُ الراحةَ مع ادراكه أنه تآلف مع ذلك الوهم.
يعود إلى قريته ما بين حقولِ الحنطةِ التي تبدو كمساحةٍ خضراءٍ تمتدُ إلى تخومِ تلك القريةِ قبل أن يلفَ الظلامُ المكانَ، تتحولُ تلك الألوانُ مع خطواته إلى باهتة، ليجدَ نفسه وقد ارتحلَ بعيداً مع السراب، مع الهواجسِ من جديد، كأنما هنالك عرباتُ قطارٍ محملةٍ بتلك الأخبارِ تلقي إليه بحمولتها، تحشرها في دماغه، تلك الأخبارُ تعيده إلى نقطةِ اللاعودةِ والقطارُ يدور، فتعاد كلما فكر أنها قد ابتعدت أو تلاشت، ليبدأ الاضطرابُ يطارده، والشكُ يترسخُ بعدما كان مجردَ ظنون، يرى أن حياته قد جُبلت في هذه الكيفية "فالولدُ لا بد أن يكونَ سرَ أبيه" وإن كان تحت دثارِ غربةَ الذات، يبتسمُ بهيئةِ التصنع، وإن بدتْ شبكةُ من التجاعيدِ حول عينيه، والحدُ المائي أخذ يتخيله كالسورِ اللاهب، فلم يعدْ يتمكن من خداعِ الأرق، والأحلامُ المشوهةُ ما زالت تطارده، وأفكاره تدورُ في دنيا الأسرار، والسنينُ تطاردُ بعضها البعض.
يكبرُ الولدُ ويميلُ إلى الصمت، يشعرُ الرجلُ بالتعاطفِ مع ابنه، فهو ما زال يحملُ ملامحَ صبي، فيتمزقُ قلبه، وفي نفسِ الوقتِ تتطلبُ الحاجةُ أن يحملَ عنه تلك الهمومَ ويواصل المسير، حتى وإن خشي من ذلك، لا يستطيعُ انتزاعَ ذلك من رأسه، فعلى الولدِ أن يحملَ وزرَ الأسلاف، يجده ينفجرُ في ضحكةٍ بريئةٍ فيزداد حنقه، تنتابه موجةٌ من القلقِ وهو يبحثُ عن حل، بعدما ارتسمت تلك الأخاديدُ وتعمقت في وجهه النحيف، يطبقُ الألمُ على قلبه، وتشتعلُ النيرانُ على تخومِ الروح، لا يبالي بمدِ الكهولة، وبصوتٍ مرتجفٍ وبكلماتٍ هاربةٍ من فمه، يحشو رأسَ ولده بحقيقةِ عدم التراجع، وعليه أن يكملَ الطريق، وأن يشاطره تلك الهمومَ قبل استباقِ الأجل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...


المزيد.....




- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: سرابُ العمر