أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: تجذر الصفة














المزيد.....

قصة قصيرة: تجذر الصفة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 00:23
المحور: الادب والفن
    


يرى صورة رجلٍ تجاوز الستين عاماً، جالساً يقرأ كتاباً في صمتٍ ثقيل، كأن بينه وبينه معرفة قديمة أو ألفة لا تحتاج إلى تعريف. ملامحه ليست غريبة، ولا ملابسه، ولا حتى أثاث غرفته الذي تتناثر عليه الكتب كأنها امتدادٌ لفكره لا أدواتٍ للقراءة فقط. كل شيء فيه يبدو مألوفاً إلى حدّ الإزعاج، إلى حدّ أن الذاكرة لا تفرّق بين الحاضر وما تراكم في عمقها.
يتسلل النعاس إليه ببطء، كأنه قرار غير معلن بالانسحاب من يقظةٍ لم تعد تقنعه. يدفع الكتاب إلى طرف المنضدة، ثم يضع كفيه تحت رأسه، ويغرق في نومٍ عميق يشبه الانفصال المؤقت عن العالم. عيناه المغمضتان لا تمنعان الصورة من الاستمرار؛ إذ يلتفت إلى جهة نافذة الغرفة المفتوحة، فيرى ذات الرجل، أو ما يشبهه، واقفاً هناك، يحدّق إلى الخارج بصمتٍ طويل، ثم يغادر الغرفة كأن وجوده لم يكن سوى عبورٍ خفيف.
تبدأ الصورة بالانزياح. لا شيء يبقى ثابتاً. الباحة الصغيرة أمام البيت تتسع شيئاً فشيئاً، كأنها تتنفس ذاكرةً قديمة. تتبدل الجدران، وتتحول الألوان، وتُستبدل الوجوه بوجوهٍ أخرى أكثر بساطة، أكثر عفوية، كأن الزمن يعيد ترتيب نفسه لا استعادته. يعود الزمن إلى الوراء: شبابٌ يتراجع، طفولةٌ تتقدم، والفضاء كله ينكمش باتجاه البدايات.
ثم يجد نفسه فجأة طفلاً في الخامسة، يرتدي دشداشة مقلمة، منكفئاً على الأرض الرملية، يجمع عيداناً صغيرة كأنها مفاتيح سرٍّ لا يُفهم. يختار منها الأكثر طولاً وسمكاً، ثم يلفّ عليها قطع القماش بعنايةٍ طفولية ليصنع هيئة رجلٍ بوجهٍ عريض، ويدين وأرجل، وبطنٍ بارز يتقدم إلى الأمام كعلامة حضور. يثبّت هذا الشكل في الأرض برفقٍ شديد، بعد أن يصنع له مرتفعاً صغيراً كأنه منصة سيادية.
ثم ينتقل إلى عيدانٍ أخرى أقل سمكاً وأدنى ارتفاعاً، يلفّها بالقماش بسرعةٍ ملحوظة، ويغرسها في الأرض المنخفضة، رؤوسها موجهة نحو ذلك الرجل. ثم يضيف عوداً آخر بلا قماش، يثبته خلفهم كأنه شاهد صامت على نظامٍ غير مفهوم، لكنه مفروض بحسّ اللعب وحده.
تكبر الصورة من جديد، وتقترب من الحاضر شيئاً فشيئاً، لتتشكل معها وجوه رجالٍ يعرفهم الآن، لا كأشخاص فحسب، بل كامتدادات لفكرةٍ قديمة. هذا فلان، وذاك فلان، وآخر لا يحتاج إلى اسم لأنه يكتمل بالصوت وحده. وفي الأعلى، الكبير يجلس على دكة مرتفعة، بثياب زاهية تغطيها عباءة شفافة لامعة الحواف، كأنها طبقة إضافية من الهيبة المصنوعة.
يتحدث بثقةٍ متكلفة، كأنه ينتمي إلى طبقةٍ لا تُرى إلا بالكلام. يوزع عليهم تعليماتٍ تمس حياتهم اليومية، ويزرع فيهم شعوراً بالفخر الممزوج بالخوف، ذلك الخوف من الصورة، من الكلام، من نظرة الآخرين. يرفع صوته كلما اشتد انفعاله، فتتصاعد الكلمات كزبدٍ على شفتيه، وكأنه وحده يملك مفاتيح المعنى والنجاة.
"يجب أن تكونوا على صورةٍ واحدة… كما رُسمت لكم"
هكذا يلمّح، دون أن يقولها صراحة، لكن الجميع يفهمها كقانون غير مكتوب. يتحول الحذر إلى طقس، والانتباه إلى عبادة شكلٍ مسبق الصنع، وعلى الجميع أن يلتزموا به كما لو أنه قدرٌ لا يُناقش.
الآخرون يستمعون بانحناءٍ خفيف في الرؤوس، بحركةٍ متكررة للرقاب، كأنهم يؤكدون وجودهم بالاستجابة لا بالفعل. بينهم شابٌّ يجلس بهدوء، يضع يديه إحداهما فوق الأخرى، بملابس قديمة لكنها محتشمة، وعلى وجهه شيء من الاعتراض الذي لم يكتمل بعد ليصبح موقفاً.
كان يصغي، لكن في داخله شيء لا يهدأ. كلمات الكبير تصيبه كشرارة، تثير في داخله نزعة التمرد، لا بمعنى الفوضى، بل بمعنى السؤال. ينتظر لحظة الحديث، لا ليهاجم، بل ليكسر الصمت الذي تراكم حول الأفكار حتى صار أقسى من القيد نفسه. ومع ذلك، لا يريد إغضاب أحد، ولا السخرية من أحد، بل يريد فقط أن يفهم لماذا صار الخضوع عادة، ولماذا تحوّل الشكل إلى سلطة.
تخزّه النظرات من حينٍ لآخر، فيشعر أن شيئاً ما يُراقبه لا ليحكم عليه فقط، بل ليعيده إلى مكانه المحدد مسبقاً. يومض في ذهنه سؤالٌ حاد كوميض برقٍ قصير:
"إنهم مُستعبدون منذ البداية… فهل فكروا ولو لحظة في كسر هذا القيد؟ أيّ قيدٍ هذا الذي لا يُرى، ومع ذلك يحكم كل شيء؟"
ينظر إلى ملامح الشاب، يتأمله أكثر، فيكتشف شيئاً يربكه: ذلك الشاب يشبه الرجل النائم تماماً، أو ربما الرجل الذي كان يقرأ قبل قليل، كأن الزمن أعاد تدوير نفسه داخل الصورة، وألغى الفواصل بين الأجيال.
وفجأة، ينهض من نومه مذعوراً، كأن الحلم لم ينتهِ بل انفجر داخله، ويهمس بصوتٍ متقطع:
- إنه كان جدي… إنه جدي، وسيبقى قدوتي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار


المزيد.....




- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي
- بحّار الرواية العربية.. كيف حوّل حنا مينه زرقة المتوسط إلى م ...
- فستان من أرشيف 1995.. كيندال جينر تخطف الأنظار في مهرجان الب ...
- -كسارة البندق – ليست حكاية خرافية-.. عرض روسي معاصر في إسطنب ...
- بمشاركة عربية واسعة.. مهرجان قازان يحتفي بالسينما العالمية و ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: تجذر الصفة