أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - انتظار... نص نثري














المزيد.....

انتظار... نص نثري


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 10:00
المحور: الادب والفن
    


كم هي مُجحفةٌ تلك التجاعيد...
تأتي خلسةً، كأنها لا تريد أن تُرى، ثم تستقرّ في اليدين والوجه، وتترك على الجسد خرائطَ لا يستطيع الزمن إنكارها.
غزت التجاعيد يدي أمي،
وأنا غارقٌ في بحر الأحلام،
أسبح في جهةٍ لا يعرفها سواي،
أطارد خيالاتي، وأصنع من الوهم وطناً مؤقتاً،
أو سمّوها إن شئتم تفاهاتٍ جميلة؛
فكنت أرى الهواء ملكي،
وأمدّ يدي إلى خيوط الشمس،
أنسج منها أدراجاً أصعد بها إلى الأعالي،
وأترك روحي ترفرف بعيداً عن الأرض.
وأمي... كانت تنتظر.
تقف عند حافة البدايات،
تراقب الطريق الذي لا أعرف إلى أين يقودني،
وتترك الباب موارباً،
كأن عودتي كانت وعداً مؤجلاً لا يجوز لها أن تفقد الأمل فيه.
كانت تنتظر...
والشيب، بصبرٍ بارد،
كان يتسلل إلى رأسها خصلةً إثر خصلة،
والألم يجلس في عينيها،
والتجاعيد تتسابق لرسم تضاريس الزمن على وجهها.
كلما مضى عام،
كانت ملامحها تبتعد خطوةً عن تلك المرأة التي كنت أعرفها،
وأنا لم أكن ألاحظ.
كنت حالماً أكثر مما ينبغي،
أبتعد كثيراً ثم أعود،
أضحك، أمرح، أعبث،
أركض خلف أحلامي كطفلٍ يظن أن العمر طريقٌ لا ينتهي.
وهي تنتظر.
لم تكن تسألني إلى أين ذهبت،
ولا لماذا تأخرت،
كان يكفيها أن تراني أعود.
ربما كانت تخشى أن يأتي يومٌ لا أعود فيه،
ولم أفهم يومها أن الانتظار نفسه كان يأكل من عمرها.
هي أمي...
وحين أفقتُ ذات يوم،
كان الباب ما يزال هناك،
والبيت ما يزال في مكانه،
لكنها لم تعد تنتظر.
كان الكرسي فارغاً،
والصمت أكثر حضوراً من كل الكلمات،
ويدها التي طالما امتدت نحوي صارت ساكنةً إلى الأبد.
عندها فقط أدركتُ أن أمي لم تكن تكبر عاماً بعد عام؛
كانت تموت قليلاً في كل عام،
وأنا كنت أؤجل ملاحظتي.
الآن...
أنا الذي أنتظر.
أنتظر شيئاً لا أعرف كيف أسميه،
ربما صوتها،
ربما وقع خطواتها في الممر،
ربما ذلك النداء القديم الذي كان يخرج من أعماق البيت:
تعال...
لكن الأيام أصبحت طويلة،
طويلةً إلى حدٍّ يجعل المسافة بين الأمس واليوم عمراً كاملاً.
أنتظر...
وأكتشف أن بعض الانتظار لا يقود إلى اللقاء،
وأن بعض الأبواب حين تُغلق لا تملك مفاتيحها سوى الذاكرة.
عذراً يا سيدتي...
يا أمي...
كنتِ تنتظرين عودتي،
أما أنا فأنتظر عودتك.
شتّان بين انتظارٍ كان يفتح ذراعيه للحياة،
وانتظارٍ لا يملك سوى أن يعانق الغياب.
كنتِ تنتظرينني لأعود،
وكنتُ أظن أن لديكِ من العمر ما يكفي لعودتي.
أما الآن،
فأنا أنتظر المستحيل...
وأعرف، للمرة الأولى،
أن أقسى ما في الانتظار
أن تصل متأخراً...
حين لا يبقى في الجهة الأخرى
من ينتظر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - انتظار... نص نثري