أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً














المزيد.....

نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 07:59
المحور: الادب والفن
    


على ألحان الأطلال، وتحت وطأة ذلك الدمع الذي لا يعرف كيف يتوقف، أستعيد ملامح اللقاء الموعود؛ ذلك اللقاء الذي ظلّ يكبر في داخلي كلما اقترب موعده، حتى صار أشبه بحلمٍ يتغذّى على الانتظار، ويقتات من شغف الروح.
أحسب أن نيسان هذه المرة لن يكون شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل موعداً مؤجلاً مع الفرح. سيأتي محمّلاً بباقات الورد والرياحين، يحملها بين كفيه كمن يحمل اعتذاراً طويلاً عن سنوات الغياب. سأحتضنها بقوة، أضمها إلى صدري، وأستنشق عبيرها حتى يتسلل إلى أعماقي؛ إلى تلك المساحات اليابسة التي عطشت طويلاً، لعلها تستعيد شيئاً من اخضرارها.
ليكن اللقاء طوفاناً يرتطم بضفتي العطش، ويقتلع من الروح صخور الألم التي تراكمت بفعل الانتظار. ليغمرني حتى آخر نقطة في قلبي، حتى لا يبقى للعطش مكان، ولا للسنين التي مضت سوى أثرٍ باهت على جدار الذاكرة.
سأرتشف من ذلك اللقاء كما أرتشف قهوة بلدي؛ مرةً في مذاقها، عميقةً في أثرها، لكنني أشعر بحلاوتها الغامضة كلما لامست شفتي. سأرتشف منها المزيد، لا لأنني لا أعرف مرارتها، بل لأن بعض المرارات تصبح عذبة حين تأتي بعد طول حرمان.
لكن...
مهلاً أيها القلب الدامي.
لا تجعل من الخيال مركباً، ومن العاصفة دليلاً، ومن الأمنيات خرائطَ للطريق. فقد يكون الطريق أطول مما تتخيل، وقد تكون المسافة بين الحلم والحقيقة أوسع من أن تعبرها أقدام الانتظار.
فأجيبه من أعماقي:
اصمت، أيها الصوت الذي لا يكف عن إيقاظ خوفي. دعني أعيش هذه المرة ما أريد، لا ما تخشاه. لا تفسد عليّ الحلم قبل أن يبدأ، ولا تضع العتمة في نافذة لم يصل إليها الصباح بعد.
لكنه لم يصمت.
قال بإصرارٍ يشبه إصرار الذين خبروا الخيبات:
ربما في نيسان لا تمطر الغيوم ماءً، بل تمطر جفافاً. وربما يأتي الربيع بأوراقه الخضراء، بينما تبقى بعض القلوب عالقة في خريفها القديم.
وربما ذلك الفارس المعلّق في ذاكرة الانتظار لا يأتي محمّلاً بالأشواق كما تتخيلين. ربما يأتي متعباً من الطريق، أو غريباً عن الصورة التي حفظتها الذاكرة له. وربما لا يحمل في يده باقة ورد، بل سهماً ضلّ طريقه طويلاً، ليصيب قلباً ظنّ أنه نجا من سهام الغياب.
وربما تكونين ضحية أخرى في محطات الحب العبثي؛ حبٍّ لا يستقر على حال، يتبدل كما تتبدل رياح شباط، مرةً يهبّ دافئاً حتى تظنين أن الشتاء انتهى، ومرةً يعصف بارداً حتى ترتجف الروح من جديد.
قلت له:
ولماذا تصر على قتل الأشياء قبل ولادتها؟
دعني أؤمن، ولو مرة، بأن القادم أجمل من كل ما مضى. دعني أترك نافذتي مفتوحة لنيسان، حتى لو دخل منها المطر إلى غرفتي، وحتى لو حمل معه بعض البرد. يكفيني أنني انتظرت طويلاً كي أرى شيئاً يشبه الضوء.
قال:
لأنني أخاف عليك من الانتظار أكثر مما أخاف عليك من الغياب.
سكتُّ.
كان في كلماته شيء من الحقيقة، وفي صمتي شيء من العناد.
نظرت إلى الطريق البعيد، حيث لا شيء سوى غبارٍ يتكاثف عند الأفق، وتساءلت: هل يأتي الذين ننتظرهم حقاً، أم أننا، من فرط الانتظار، نصنع لهم ملامح لا تشبههم؟
ومع ذلك، ظللت أراقب السماء.
كنت أعرف أن نيسان قد لا يفي بوعده، وأن الغيوم قد تعبر فوقي دون أن تمنحني قطرة، وأن الفارس الذي علّقته الذاكرة على جدار القلب قد لا يعود بالصورة التي أحببتها.
لكنني كنت أحتاج إلى الانتظار.
فبعض القلوب لا تنتظر لأن الوصول مؤكد، وإنما تنتظر لأن الأمل، رغم هشاشته، أرحم من اليقين بالغياب.
وحين بدأ نيسان يقترب، لم أعد أسأل: هل سيأتي؟
صرت أسأل نفسي سؤالاً آخر:
ماذا لو جاء... ولم يكن كما انتظرته؟
عندها أدركت أن أصعب اللقاءات ليست تلك التي نتخوف من غيابها، بل تلك التي نخشى أن تأتي، ثم تكتشف أن الذي عاد ليس الشخص الذي انتظرناه، وأن الذي بقي فينا لم يكن هو الغائب، بل صورته التي صنعها الحنين.
ومع ذلك...
سأترك نافذتي مفتوحة.
سأضع وردةً على حافة الانتظار، وأترك للريح أن تقرر مصيرها.
فإن جاء اللقاء، احتضنت الورد كما لو أن السنين لم تمر. وإن لم يأتِ، سأتعلم أن أحتضن الفراغ دون أن أنكسر.
أما نيسان، فسأدعه يمطر كما يشاء؛ ماءً أو جفافاً، فرحاً أو خيبة. يكفيني أنني ذات يوم، انتظرت بكل هذا القلب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...


المزيد.....




- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...
- فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان
- الخارجية الأمريكية مولت بودكاست باللغة الروسية للترويج لمجتم ...
- -ثقافة التنوع في السرديات العراقية- في المعهد الثقافي الفرنس ...
- سوريا.. من ريف إدلب إلى المتحف الوطني تروى حكاية 513 قطعة أ ...
- من -غلادياتور- إلى -الأوديسة-.. لماذا تحول المغرب إلى وجهة ل ...
- أكاديمية غزة للسينما.. مشروع جديد للتدريب وإنتاج الأفلام بال ...
- -أكاديمية غزة للسينما-.. مبادرة من فينيسيا لدعم السينمائيين ...
- 3 آلاف فيلم بلا كاميرات.. سينما الذكاء الاصطناعي تتسلل إلى ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً