أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مرافئ التيه














المزيد.....

قصة قصيرة: مرافئ التيه


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


تختلج الأيامُ في ارتباكٍ صامت، وتنزفُ الروحُ بندوبٍ لا تُرى، كأن القلبَ تسللَ متخفياً من بين أنفاسِ الزمن بعد يقظةٍ من حلمٍ كان ملاذاً للضائعين، لم يشأ مغادرته، فالحياةُ ليست سوى لحظاتٍ مسروقةٍ من قبضةِ الحقيقة. لكنه الآن بدأ يلمحُ أن ما أدركه في الطفولة لم يعد يشبه ما يراه، وربما هذه هي الحقائقُ كما تُعريها الأيام. أفاق في لحظةِ صمتٍ على رصيف الانتظار، محاطاً بزمنٍ لا يمنحه غير اللحظةِ الراهنة، وكأنما انشقَ عن عالمِ الأرواحِ ليجد ذاته متجسدةً في الحاضر، بعدما كان مسافراً نحو الشمس، نسجَ من خيوطها سلماً يرتقي به في فضاءِ التمني، كي يصل إلى اللامتناهي منه، وبقربه كانت كتبه، وقد أودع فيها إيمانه، فشهدت على أن الأيامَ أعمق من أن تُفهم، وأن الكلماتِ لم تعد تقدر على البوحِ بما يئن في الأعماق.
لكن، وسط انكشاف الحُجب عن تصوراتٍ طالما نسجها الوهمُ، باغته سؤالٌ صاعق: ما الذي يحدث؟ وكيف تسنى له أن يتصرف بتلك الكيفية؟
مع تتابع اللحظات، يباغته هاجسٌ مفاجئ، كأن سهاماً تُطلق نحوه من يدِ ذاك الرجلِ الذي أودع فيه ثقته. حاول أن يخرجه من مدار تفكيره، لكن دقاتِ قلبه لم تسكت، ولذلك أحس أنه في حاضرٍ جديدٍ الآن، حاضر يعتاش على الغموض، بعدما ظل عالقاً في ماضٍ ظن أنه لن يتبدل معه، غير أن ملامحَ اللحظةِ الراهنةِ تشير إلى أن السهامَ بدأت تفلت فعلا من قبضةِ ذلك الرجل باتجاهه. عندها، تصارعت في داخله قوى الخير والشر، وأدرك أنه ربما قطع شوط العمر بهذا الشكلِ العبثي، فكلما اقترب من الحقيقة، وزادت ثقلاً على روحه وصعوبةً في قبولها.
كان مقتنعاً به تماما، وبات لكل شيء حوله معنى مغاير في حينها، إذ أدرك أن العفو لا يصدر إلا من أرواحٍ نبيلةٍ، وأن المساواة لا تقال بل تمارس في سباقٍ شريفٍ نحو غاياتٍ سامية، وأن السماءَ زرقاءٌ كما لقنه، وأن العهودَ لا تقارن بنسيم الصبا. ومع ذلك، ظل يتساءل: هل يمكن للصمت أن يمنحه إجابة؟ خاصة بعدما هبت عليه رياحه، تنزع ما تبقى من أحلامه، فتخنقه كغصاتٍ تتعلقُ بأكتافِ الوهم، وتنهمرُ كشلالِ من ذاكرةٍ أنهكها الخذلان.
خواطرٌ مبعثرةٌ من حوله، كأنها بقايا فريسة نهشها ذئبٌ وتركها في فلاةٍ بلا ملامح. لكنه أدرك أن تلك السهامَ لا تُطلق عبثا، ولا تنفلت بلا سبب أو حائل، بل هي إشارات تستعصي على الفهم بالعقل وحده، لعل الاصغاء إلى القلب هو السبيل لاكتشاف ما خفي، فالقلب لا يصمت ما دامت فيه نبضات. ترى، أكانت تلك السهام اختبارا للشجاعة؟ أم امتحانا لقوة الصبر؟
ثم أعاد ليسأل نفسه: ترى هل نفد صبري؟
ألا يُقال: إن الحق لا يضيعُ ما دام له مطالب؟
لكنه الآن تائها في غابة من الذهول، إذ بدا له أن الخوفَ من المجهولِ القادمِ أشد وطأة من ألمِ الواقعِ المحقق. خطرٌ يدق نواقيسه في القلب، يخبره أن من آمن به لم يكن سوى سراب، وأن الرجل الذي لطالما رآه مرشداً بات يردد على مسامعه" أنك لا تملك ما يمكن تقديمه، فالقوة تُولد من إرثها، وأنت ليس لديك ما يكفي من الماضي ولا الحاضر" كلماتٌ أيقظت فيه ما كان غافلا عنه، فكشفت له حواجزاً متراكمةً في ذاكرته، تمنعه من عبور ذاته نحو حريةٍ حلم بها، أو حضورٍ اعتباري كان يظنه من المسلمات. ومنذها، استمد رقّته من نغمة ناي حزين، بعد أن رأى المعاني انهارت أمام عينيه كأبراجٍ من رمل.
لذا خَشي ما يراه الآن، وتعلم ما لم يكن في حسابه. فما نفع المبادئ إن لم تجد سبيلا إلى التطبيق؟ حيث يصبح الشرفُ ذريعةً لقهرِ الضعفاء، ويُنتزع الحقُ لا بميزان عدل. وعندما رأى صاحبه، الذي طالما تغنى بالمساواة، يبرر ذلك الواقع القاسي، أدرك أن ما يغذي هذا العالم ليس الحب، بل الكراهية.
احتمى بالصمت، بعدما عجز عن إيقاف معاول الهدم، حين انهارت الأعرافُ وتجاوزت الفوضى كلَّ حدود. راوده الحنينُ إلى لحظةٍ ماضية، تمنى لو عاد الزمن به إليها، لا ليصحح، بل فقط ليغادر الحطام نحو بعضِ العمران حتى لو كان وهما، بعدما اكتشف أنه يعيش في عالمٍ يجهل حقيقته.
صار غريبا في كلامه، في وجوده، بين اليقظةِ والحلم، إذ تماهى الواقعُ بالحلمِ حتى بات يشك في حقيقةِ وجوده. ليقف أخيراً مواسياً نفسه، وهو يرى الحقَ يُنتزع بدهاء، لا يُمنح بعدل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم
- قصة قصيرة: الزائر
- قصة قصيرة: هاجس الخوف
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر


المزيد.....




- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...
- -القتل بدوام كامل- تفوز بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول ...
- بصمة -التبريزي- في الأناضول: كشف أثري يعيد رسم خريطة الفن ال ...
- البحث عن رسول.. إرث الشاعر رسول حمزاتوف
- مي التي تغيب فيحضر كل شيء: قراءة سيميائية سردية في عوالم روا ...
- -روّحي على بيت أبوكي-.. انطلاق عروض فيلم -ريد فلاج-
- بعد توحيد المناهج.. مطالب باستمرار تدريس اللغة التركية في سو ...
- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...
- فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مرافئ التيه