أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - اللحن الحزين














المزيد.....

اللحن الحزين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 00:17
المحور: الادب والفن
    


عندما كنت أسمع اللحن الحزين، كان يتسلل إلى مسامات جسدي، ويوقظ في ذاكرتي الفتية شيئاً لم أكن أعرف له اسماً.
كنت لا أفهم معظم الكلمات، وربما لم أكن بحاجة إلى فهمها؛ فثمة ألحان لا تحتاج إلى قاموس، لأنها تعرف الطريق إلى القلب قبل أن تصل إلى الأذن.
كان اللحن يبكيني...
وما زال.
ربما لأنه يدغدغ شيئاً نائماً في الوجدان، أو لأنه يفتح باباً في الداخل كنت أظنه مغلقاً إلى الأبد. وربما لأنني كلما حاولت الهرب من سراديب الذات، وجدتني أعود إليها من الطريق نفسه، كأن لا خيار لي سوى مواصلة البحث عن شيء لا أعرف إن كنت أبحث عنه، أم أنه هو الذي يبحث عني.
كانت الذكرى، ربما، آخر ما تبقى.
ذاكرة تخشى أن تتلون بلون الحاضر، أو أن تفقد عطرها القديم وهي تعبر بين أيام لم تكن تشبهها. وحين يصبح الكلام الوسيلة الوحيدة لمواجهة العالم، يصبح العذاب مضاعفاً؛ لأن ما نعجز عن قوله يظل في الداخل، وما نقوله لا يبلغ أحياناً المعنى الذي أردناه.
ربما من الصعب أن يتخلص الإنسان من الأشياء التي تشكّل منها.
فهي ليست أشياء تماماً، بل رفقة طويلة نشأت بيننا وبين أرواحنا، حتى صارت أقرب من الأصدقاء. أتحدث إليها ولا يقاطعني أحد، أسترسل في الكلام، وهي تصغي... تصغي طويلاً، كأنها تعرف أن بعض الكلام لا يريد جواباً، بل يريد أذناً لا ترهقه التفاصيل.
لا أدري أكان إنصاتها إنصات الصديق، أم إنصات المشفق.
وربما كانت فتاة أحلام ارتدت ثوباً فضفاضاً من الخيال؛ رسمتها الأذهان ذات يوم، ثم تركتها تمضي في الجهات التي لا تصل إليها الخطوات. لم أرها، ولم ألتق بها، ومع ذلك بقيت راسخة في الذاكرة، كأن الأشياء التي لم تحدث هي أحياناً أكثر الأشياء قدرة على البقاء.
وربما هي مفارقات الحياة؛ ذلك الممر الغامض الذي نمشي فيه ونحن نظن أننا نعرف وجهتنا، ثم نكتشف في آخر الطريق أننا كنا نطارد ظلاً تركناه خلفنا منذ زمن.
وربما هو ليل هادئ...
سماء صافية، وقمر مكتمل، وخطوات تمضي بلا خوف، وشعور غريب بالاستقرار والنشوة، قبل أن ينطفئ كل شيء، فلا يبقى من تلك اللحظة إلا ومضة عابرة، تظهر بين حين وآخر، ثم تختبئ في مكان لا تطاله اليد.
وربما هو الفرح نفسه...
ذلك الفرح الذي لا نعثر عليه في وضح الأيام، وإنما نلمحه عميقاً، عميقاً جداً، في قاع أحزاننا المتأصلة؛ كأن الحزن، بعد أن يطول مقامه فينا، يترك في قاعه نافذة صغيرة تطل على شيء يشبه الفرح.
وربما...
هو ذلك الصوت الشجي، صوت الملا ضيف وعلى العيسى وسلطان أحمد، حين كان الغناء يأتي من بعيد، لا ليطربنا فقط، بل ليعيد ترتيب شيء مضطرب في أرواحنا.
أعدّ النجوم بالجوز...
فأشعر أن النجوم لم تكن في السماء وحدها، وأن الجوز لم يكن مجرد عدٍّ عابر، بل طقساً صغيراً من طقوس زمن لم نكن نعرف أنه سيمضي.
وربما هو لحن الجنوب...
ذلك اللحن الذي لا يبدأ من حنجرة، ولا ينتهي عند أذن؛ لحنٌ تمتد كلماته بجذورها إلى بابل وسومر وأكد، ثم يعبر الماء والطين والقصب، ويظل يمشي في الذاكرة جيلاً بعد جيل، حتى إذا ظننا أننا نسيناه، خرج من مكان خفي فينا.
مرينا بيكم حمد واحنا بقطار الليل...
وحين يصل الصوت إلى تلك المسافة البعيدة، لا أعرف ماذا يحدث.
أصمت.
تضيق المسافة بين الأمس واليوم، يتداخل وجه الطفولة مع وجه الرجل الذي صرت إليه، ويعود الليل كما كان، ويعود القمر، وتعود الطرق البعيدة، ويعود أولئك الذين مضوا دون أن يمنحونا فرصة كافية لقول الوداع.
عندها أفهم أنني لم أكن أبحث عن اللحن.
كنت أبحث عني فيه.
وربما لم يكن اللحن حزيناً أصلاً؛ ربما كانت ذاكرتي هي التي حملت إليه حزنها، ثم أعادته إليّ كلما احتجت إلى أن أتذكر أن شيئاً ما كان هنا ذات يوم.
وهكذا، كلما انكشف الغطاء عن تلك الهواجس، خرجت واحدة تلو الأخرى، لا تعرف إلى أين تمضي، ولا لماذا جاءت.
يخرج اللحن أولاً...
ثم الذكرى...
ثم صوت بعيد لا أراه.
وأبقى أنا، في آخر الليل، أعدّ شيئاً لا أعرف عدده، وأصغي إلى قطار يمضي في جهة لا أعرفها...
حتى تسقط دمعة واحدة.
كأنها آخر كلمةٍ بقيت للأغنية.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل


المزيد.....




- فيلم وثائقي عن الضحايا المدنيين في غزة يفوز بجائزة لجنة التح ...
- بوتين وولي عهد أبو ظبي يتفقان على ترجمة نتائج قمة -بريكس- إل ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بدموع الفرح بعد غياب 6 س ...
- دليل المفاهيم التنظيمية: هيكلية منظمة العمل العربية ونظام ال ...
- -الأطفال يستحقون الأفضل-.. يوتيوبر يقتحم المسرح خلال كلمة رئ ...
- كمال ميرزا: متلازمة إدوارد سعيد تكشف أزمة النخبة العربية
- كاظم الساهر.. كيف صنعت القصيدة واللحن والهوية جمهورا لا يشيخ ...
- ضياء السعيدي.. كتاب -جمهورية بلا جمهور- دعوة لشجاعة فكرية وب ...
- -ملتقى آراميا الإبداعي-.. حين يبحث الفن عن مكانه في قلب دمشق ...
- غادة عبد الرازق ترفض العمل مع محمد رمضان في -عشماوي-


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - اللحن الحزين