أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: مَن أكون؟














المزيد.....

نص نثري: مَن أكون؟


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 11:38
المحور: الادب والفن
    


قيل لي ذات يوم:
كن كما أنت، فالأشياء حين تخرج عن طبيعتها تفقد معناها، والإنسان حين يستعير وجهاً ليس له، قد يربح عيون الآخرين، لكنه يخسر الطريق المؤدي إلى نفسه.
وقيل لي أيضاً:
إيّاك أن تلوث يديك، فالثوب الأبيض لا يحتاج إلى كثير من السواد كي يتغير معناه، وربما كانت نقطة واحدة كافية لأن تجعل صاحبها يقضي عمراً كاملاً وهو يبحث عن البياض الذي كان عليه.
كنت صغيراً آنذاك، أستمع أكثر مما أتكلم، وأصدق الكلمات كما تُصدّق الأرض أول قطرة مطر.
لم أكن أعرف أن بعض الكلمات تحتاج إلى عمر طويل كي نكتشف معناها، وأن بعضها الآخر لا يظهر معناه إلا بعد أن نمشي بعيداً عن الذين قالوه.
كبرت وأنا أحمل تلك الوصايا في داخلي، لا كأوامر، بل كشيء يشبه البوصلة.
كنت أظن أن الطريق مهما طال يعرف نهايته، وأن النية الصافية تستطيع أن تهدي صاحبها وسط العتمة، وأن اليد التي لم تمتد إلى غير حقها ستجد يوماً ما يستحق أن تمسك به.
لكن الطريق لم يكن كما تخيلته.
كلما مضيت، كانت الرمال تتكاثر تحت قدمي، حتى صار من الصعب أن أميز بين الطريق والضياع. كنت أمشي، ولا شيء يدلني على أنني اقتربت من مكان ما. حتى الآمال التي كنت أراها من بعيد، أخذت تتراجع كلما اقتربت منها.
كأنها لم تكن تنتظرني، بل كانت تختبر قدرتي على الاستمرار.
وفي ليالي طويلة، حين كان كل شيء يهدأ، كنت أسمع شيئاً في داخلي يشبه السؤال.
ليس سؤالاً عن الطريق، بل عن المسافر.
من الذي يمشي كل هذا الوقت؟ وماذا بقي منه؟
كنت أفتش في داخلي عن ذلك الطفل الذي كان يرى العالم بسيطاً، فيجدني أحياناً، ثم يبتعد كأنه لم يعد يعرفني.
ربما لأنني كبرت أكثر مما ينبغي، أو لأن العالم الذي دخلته لم يكن العالم الذي خرجت منه.
كنت أتكلم بلغة قديمة، لغة لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن يكون الشيء صحيحاً كي يكون صحيحاً، وأن يكون الوعد وعداً، وأن يكون الإنسان قريباً من نفسه قبل أن يكون قريباً من الآخرين.
لكنني اكتشفت ببطء، أن الأشياء لا تحتفظ دائماً بأسمائها.
فالبياض قد لا يكون بياضاً، واللمعان قد لا يكون نوراً، والطريق المستقيم قد يقود أحياناً إلى مكان لا يشبه ما تخيلناه في بدايته.
حتى المال، الذي قيل لي إنه وسيلة، رأيته يتحول في عيون كثيرة إلى غاية، ثم إلى ميزان، ثم إلى مرآة يقيس بها الناس بعضهم بعضاً.
أما أنا، فكنت أقف بعيداً، أتساءل:
هل قيمة الأشياء فيما هي عليه، أم فيما يجعلها الآخرون عليه؟ وهل الإنسان هو ما يختاره بإرادته، أم ما تضطره الأيام إلى أن يكونه؟
ربما لهذا بدأت أشعر بأنني غريب.
ليس عن المكان، بل عن النسخة التي أصبحت عليها الأشياء من حولي.
كنت أبحث عن معنى بسيط، فوجدت المعاني تتشعب.
كنت أبحث عن وجه ثابت، فوجدت الوجوه كثيرة.
كنت أبحث عن يقين، فوجدت أسئلة لا تنتهي.
ولم يكن أكثر ما يؤلمني أنني لم أصل.
كان يؤلمني أنني لم أعد متأكداً من المكان الذي كنت أريد الوصول إليه.
هناك لحظة غامضة في حياة الإنسان، لا يسمع فيها صوتاً ولا يرى حدثاً واضحاً، لكنه يشعر أن شيئاً ما قد انكسر في المسافة بينه وبين العالم.
منذ تلك اللحظة، لا يعود الإنسان كما كان.
لا لأنه تغير،
بل لأنه رأى.
ورؤية الأشياء بعد أن تسقط عنها أوهامها ليست دائماً نعمة.
منذ ذلك الحين، صرت أقل ثقة بالطريق، وأكثر إصغاءً إلى خطواتي.
وصرت كلما وقفت أمام المرآة لا أسأل: من هذا الرجل؟
بل أسأل:
أين ذهب ذلك الذي كان هنا؟ هل ما زال يسكن خلف هذه الملامح؟ أم أن السنوات أخذت منه شيئاً في كل مرة، حتى لم يبقَ منه إلا ذلك السؤال القديم؟
مَن أكون؟
ربما أنا مجموع الأشياء التي رفضت أن أصبحها، وربما أنا أيضاً مجموع ما لم أستطع أن أكونه، وربما لا هذا ولا ذاك.
ربما الإنسان ليس صورة مكتملة، وإنما أثر يتشكل في الطريق؛ وكلما ظن أنه عرف نفسه، جاءت الحياة ومسحت بعض ملامحه، وتركت له أن يعيد رسمها من جديد.
لهذا لا أملك جواباً، كل ما أملكه الآن أنني ما زلت أحاول أن أحافظ على تلك النقطة البيضاء التي خبأتها الأيام في مكان ما من روحي.
لا أعرف إن كانت ستبقى.
ولا أعرف إن كان الطريق سيقودني إليها.
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
أنني إذا وصلت يوماً إلى آخر الطريق، فلن أسأل كم ربحت، ولا كم خسرت، ولا كم بقي من أحلامي.
سأقف قليلاً...
وأبحث في يديّ.
فإن وجدتهما ما زالتا تعرفانني،
فسأعرف عندها،
مَن أكون.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة


المزيد.....




- أزمة دمج التعليم في الحسكة: المدارس خاوية واللغة الكردية تثي ...
- المخرجة مي المصري: أكاديمية غزة للسينما ضرورة لحماية الذاكرة ...
- الذكاء الاصطناعي يجسّد شاريك في -قلب كلب- على مسرح نيكيتا مي ...
- لماذا يدفع المشاركون مبالغ مرتفعة لحضور مهرجان للموسيقى الإف ...
- جدل في إسرائيل.. فيلم نازا يثير أزمة بعد توثيقه مجازر جيش ال ...
- -شيفرة الحصان-.. معرض في موسكو يستعيد رمزية الحيوان في الفن ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بثلاث إطلالات من الأزياء ...
- عاصفة سياسية في إسرائيل بعد عرض فيلم -نازا-: دعوات لسحب جنسي ...
- نائبة في الكونغرس الأمريكي تدعو إلى استئناف التبادل الثقافي ...
- ثلاثة أعمال أدبية ينصح بها مترجم إيطالي لفهم روسيا


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: مَن أكون؟