أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي














المزيد.....

قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 11:38
المحور: الادب والفن
    


ينتابها شعورٌ هائلٌ بالفراغ، وتنبضُ الحروفُ شهيقاً وزفيرا، وجمالُها الذي ذَبلَ قبل إشراقِ نهاراتِ الصِّبَا وتجمدتْ ملامحُه مع غروبِ الفرحِ، بعدما شَبِعتْ منها العيونُ المتحجرة، وهي التي توقظُ حروفَ الضوءِ من سباتِ القوافي، وشموسَ الروحِ والحنينِ في سماءِ الأبجدية، وبعدما تعودتْ أن ترى والدَها واقفاً مبتسماً لها في كُلِّ صباحٍ، اعتادتْ أن يربتَ على كتفيها، وأن يَمِسدَ على شعرِ رأسِها وإن تجاوزتْ العشرين، هي اعتادتْ على ذلك منذ نعومةِ أظفارها.
ترفضُ دَوَاخِلهَا في أن تُصدقَ بأن ذلك الأب الآن بين أحشاءِ التراب، وإن جدليةَ الموتِ تبقى غامضةً فيما يتعلق بوالدِها، وأن لا شيء يدوم حينما يتعلقُ الأمرُ بغيره، إذ تتقبلها بإيمانٍ تام، إلا أن هذا يؤرقُها إذا ما أرادتْ أن تعممه على الأبِ الفقيد، فهو المكافحُ في سبيلِ أن تصلَ إلى ما يريدها أن تصلَ إليه، فيجعلُ لها أجنحةً للطيران، لتحلقَ نحو أفقٍ جديدة، بعيدةِ المنال، إذ لم يتمكنْ هو من الوصولِ إليها وفق قلةِ الإمكانيات، كانتْ تؤرقه تلك الأفكار، بل ويصلُ إلى أن يتوقَ إلى النوم، ويعرفُ تماماً بأنه وما أن يتمددَ على السريرِ حتى يجده كأنه محشوٌ بعشراتِ العقاربِ بعدما تداهمه الأفكارُ بشكلِها المتزاحم.
يداهمُها الشوقُ إليه، تهربُ في عالمِ الخيال، في الأحلام، تحاولُ التمسكَ بهديةِ العمر التي لن تتكرر، وأن تتناسى قصورَ الرمالِ، وشخصاً أغراها بصورةٍ رائعةٍ مزهوةٍ بالعطاء، وبدأتْ تُدرك حينما اقتربتْ من تلك القصورِ كملكةٍ متوجةٍ بالخيال، وجدته لم يكنْ إلا حلماً بعيدَ المنال، وصورةً عاريةً تطويها دروبَ المحال، وذلك الثناء الخداع، فالنقصُ آفة يُبحث في قلوبِ من يمتلكْ الطيبةِ بين الثنايا، تتذكرُ كلماتِ النرجسي.
- أشعرُ وكأني مَلكّْتُ الدنيا.
تتمنى أن تبكي، وأن تكسرَ قضبانَ سجنِ التوقعاتِ، من ذلك الخذلان، تبكي على بسمةٍ هفتْ على الأرواح، على بهجةِ الأيامِ التي تاهتْ مع أدراجِ الرياح، خذلانٌ يقضمُ من القلبِ جزءً مع الأيام، أيامٌ كئيبةٌ بلا ألوان.
- قلبي أصبح أميراً تُوجَ على عرشِ مملكةِ الحب.
فلقد أوهمها ذلك النرجسي بأنه سَيَدْخُلُ فوق نبضِها ويسكنُ الروح، ويهديها زهرةَ الحياة، ومن دمائه سيرويها، فأستباحَ المدامعَ وارتوتْ الخدود، تجلدُها سياطُ الحنين، تفكرُ في التحليقِ بتلك الأجنحةِ التي كان يهبها لها والدها، إلى تلك الطفولةِ وعنفوانِ الشباب.
- فإلى أين المسير؟
البقاءُ ليس بالمرتع، والأملُ تاه في الرمالِ تحتَ الكثبانِ، والقصرُ العاجي تهاوى أمام ناظريها في سديمٍ كثيف، وظلامٌ تحرثه الأيام، فالحزنُ أصبح الصديقَ المقربِ، فهامتْ، وتاهتْ في غبارٍ مطرزٍ في أشعةِ القمرِ، بعدما هانتْ على جلادي القصائد، ولكن إن هي تمكنتْ من اقتلاعِ كلَّ تضاريسه من الأعماق، فكيف السبيلُ إلى تلك الحريةِ والهروبِ من غيومِ الأوجاع؟ من قفارِ عشقهِ المجدبةِ، الذي يدعيه بعدما سرقَ بريقَ عينيها، وقسّم قلبها إلى دويلاتٍ، بين غزو الامتلاك وغزو الغرور، فهي قد جُبلتْ على العطاء، فإن أعطيتْ الاهتمام، قدمتْ الفيض منه بأضعاف، لكنه الخذلانُ، والتعلقُ بوهجِ الأحلامِ المعلقة على حبلٍ مهترئ، ليدفعها ذلك إلى تأجيلِ التفاعلِ بالحياة إكراماً للذكريات، إلى ذلك الأب، هو يعلم بأنَّ شعلةَ شوقه لن تنطفئ، والدمعَ لا يزالَ يسيلُ على الوجنتين، فهل ستكتفي بأن تُصلبَ على الأعمدةٍ العاجيةٍ كقربانٍ لصورةِ جمالها الأخاذ؟ تصرخُ بِكُلِّ إحساس.
- أنتَ لستَ أبي, ارحلْ ودعْ قلبي تسكنه الأشعار.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت


المزيد.....




- أزمة دمج التعليم في الحسكة: المدارس خاوية واللغة الكردية تثي ...
- المخرجة مي المصري: أكاديمية غزة للسينما ضرورة لحماية الذاكرة ...
- الذكاء الاصطناعي يجسّد شاريك في -قلب كلب- على مسرح نيكيتا مي ...
- لماذا يدفع المشاركون مبالغ مرتفعة لحضور مهرجان للموسيقى الإف ...
- جدل في إسرائيل.. فيلم نازا يثير أزمة بعد توثيقه مجازر جيش ال ...
- -شيفرة الحصان-.. معرض في موسكو يستعيد رمزية الحيوان في الفن ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بثلاث إطلالات من الأزياء ...
- عاصفة سياسية في إسرائيل بعد عرض فيلم -نازا-: دعوات لسحب جنسي ...
- نائبة في الكونغرس الأمريكي تدعو إلى استئناف التبادل الثقافي ...
- ثلاثة أعمال أدبية ينصح بها مترجم إيطالي لفهم روسيا


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي