|
|
حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى من الطريق للكاتب عطية علي حمد
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 11:23
المحور:
الادب والفن
ليست الطرق في الأدب مجرد مسافات نعبرها للوصول إلى مكان آخر؛ فالطريق قد يكون عمراً بأكمله، وقد يكون ذاكرة تمشي معنا، أو سؤالاً يرافقنا ولا يبلغ نهايته. وحين يغادر الإنسان مكانه، لا يغادره كاملاً؛ يترك خلفه جزءاً من جسده، ويحمل في داخله جزءاً من المكان الذي كان يظنه يوماً عابراً. من هذه الزاوية يمكن قراءة المجموعة القصصية "ما تبقّى من الطريق" للكاتب عطية علي حمد؛ فهي لا تنشغل بالطريق بوصفه حركة في المكان فحسب، وإنما بما يتركه العبور في الروح. شخصياتها تغادر، تنتظر، تفقد، تتذكر، تعود، أو تقف أمام أبواب لا تعرف إن كانت ستُفتح من جديد. ولهذا يبدو الطريق في المجموعة كائناً سردياً آخر، يرافق الشخصيات ويختزن خطاها، حتى حين تختفي خطواتها. ولعل أجمل ما في الطريق أنه لا يخبرنا دائماً إلى أين يقود؛ إنما يكشف لنا، بعد مسافة طويلة، من كنّا حين بدأناه، ومن أصبحنا حين وصلنا إلى مكان لا يشبه المكان الأول. منذ الصفحات الأولى، يفرض المكان حضوره بوصفه أكثر من خلفية للأحداث. فالقرية ليست مجرد مساحة تجري فيها بعض القصص، وإنما ذاكرة كاملة تتنفس في البيوت الطينية، وفي رائحة التنور، وفي الحقول، وفي النخيل، وفي مجرى دجلة، وفي الطرق الترابية التي يعرفها أبناء المكان كما يعرفون خطوط أيديهم. إن المكان هنا يمتلك ذاكرة خاصة؛ ولذلك حين يبتعد عنه الإنسان، لا يصبح المكان خلفه، بل يتحول إلى شيء يسكنه. في قصة "رائحة المطر الأولى"، تكفي رائحة المطر لكي تستعيد الشخصية عالماً ظنت أنها تجاوزته. تعود القرية ببيوتها الطينية المستندة إلى كتف دجلة، وحقولها، وأطفالها، وأصواتها، ومواسمها، وكأن الذاكرة لا تحتاج إلى أبواب أو خرائط لكي تعود؛ يكفيها أثر صغير كي تستعيد عالماً كاملاً. وهنا تتضح إحدى أهم وظائف المكان في المجموعة: إنه ليس ما نراه، بل ما يبقى فينا بعد أن نغادره. فالبيوت الطينية التي تبدو في ظاهرها بسيطة، تتحول في الذاكرة إلى بيت أول، وإلى أم، وأب، وطفولة، وإلى زمن كانت فيه الحياة، رغم قسوتها، أكثر وضوحاً وأقل التباساً. وفي هذا السياق يمكن استحضار قول "غاستون باشلار" في جماليات المكان: "البيت هو ركننا في العالم" والمعنى الذي يضيء به هذا القول عالم المجموعة أن البيت لا يُقاس بجدرانه ومساحته، وإنما بما يمنحه للإنسان من إحساس بالوجود والانتماء. ولذلك، حين ينهدم البيت في إحدى القصص، لا تنهدم الحجارة وحدها؛ إنما تتعرض الذاكرة نفسها للاهتزاز. وإذا كان المكان يمثل الجذر، فإن الطريق يمثل الامتحان. فالخروج من القرية إلى المدينة، والسفر، والنزوح، والعودة، والبحث عن العمل، والوقوف أمام أبواب المؤسسات، كلها صور مختلفة لعبور الإنسان من مرحلة إلى أخرى. في قصة "تصحيح المسار"، يغادر سالم البيت الطيني متجهاً إلى الجامعة، حاملاً حقيبة صغيرة وأحلاماً أكبر منها. لكن الأب لا يتركه يذهب بلا وصية؛ يذكّره بأن الشجرة العالية لا ترى جذورها، لكنها تموت إذا قطعتها. وهكذا يتحول الطريق من رحلة تعليمية إلى سؤال عن العلاقة بين المستقبل والجذور. إنها واحدة من أكثر الصور دلالة في المجموعة؛ لأن الكاتب لا يضع الماضي في مواجهة المستقبل، بل يجعله شرطاً لفهم المستقبل. فالسؤال ليس: إلى أين نذهب؟ بل: ماذا نحمل معنا ونحن نذهب؟ ومن هنا تكتسب الشجرة دلالتها الرمزية؛ جذورها في الأرض، وأغصانها في السماء. إنها صورة للإنسان الذي يريد أن يرتفع دون أن يفقد أصله. ويأتي الطريق في مواضع أخرى محمّلاً بمعنى أكثر قسوة؛ ففي "قلوب على قائمة الانتظار" يتحول السفر من اختيار إلى اضطرار، ويصبح البيت الصغير الذي حلم به العاشقان مفتاحاً معلقاً في الذاكرة، بينما يتوزع أصحاب الحكاية بين وطن غادرته الحرب ومخيم لم يختره أحد. ويبقى المفتاح في النهاية، علامة على بيت قد لا يكون موجوداً إلا في الذاكرة. وهنا يبدو الطريق وكأنه لا ينقل الإنسان من مكان إلى مكان، بل ينقله من يقين إلى سؤال. ومن ثيمات المجموعة التي تتصل بالطريق اتصالاً وثيقاً، ثيمة الفقد. فالغائب في هذه القصص لا يغيب بصورة كاملة؛ يترك وراءه كرسياً، أو صورة، أو هاتفاً، أو مفتاحاً، أو نافذة، أو شجرة، أو حتى رائحة مطر. وهكذا يتحول الغياب إلى حضور من نوع آخر. في بعض القصص، لا يعود الإنسان إلى المكان الذي غادره، بل يعود المكان إليه. وقد تكون هذه العودة أكثر إيلاماً من العودة الفعلية؛ لأن الذاكرة لا تعيد الأشياء كما كانت، وإنما تعيدها محمّلة بما حدث بعدها. ولعل هذا ما يجعل بعض نهايات المجموعة مفتوحة؛ فالنهاية لا تغلق الحكاية تماماً، وإنما تترك للقارئ مساحة للتفكير فيما لم يُقَل. في نهاية "قلوب على قائمة الانتظار"، يبقى المفتاح على الطاولة، ويبقى الهاتف مضيئاً، وتبقى الرسالة الأخيرة معلقة بين شخصين تفصل بينهما المسافة. لا نعرف على وجه اليقين هل سيعود أحدهما إلى الآخر، لكننا نعرف أن شيئاً ما لم يمت بعد. وهذا النوع من النهايات ينسجم مع طبيعة المجموعة؛ فالكاتب لا يريد أن يمنح القارئ أجوبة جاهزة، وإنما يدفعه إلى أن يسأل. وبالتوازي مع المكان والطريق والفقد، تحضر الأسرة بوصفها واحدة من أكثر المساحات دفئاً في المجموعة؛ الأب والأم والأبناء والبيت والطعام البسيط والانتظار؛ كلها تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تؤسس عالماً إنسانياً كاملاً. وفي "لحظة انكسار"، يصبح الأب نموذجاً لإنسان يؤجل حاجاته وأحلامه كي يمنح أبناءه فرصة أفضل. يبيع بعض ما يملك، ويحتفظ بصورة ابنه، ويجد في نجاحه تعويضاً عن أشياء كثيرة حُرم منها. لكن لحظة واحدة تكشف له أن الابن الذي حمله يوماً قد أصبح بعيداً عنه بطريقة لا تقاس بالمسافة. إن وجع الأب في هذه القصة لا يأتي من الحاجة المادية، بل من اكتشاف المسافة التي يمكن أن تنشأ بين يدٍ أعطت كثيراً ويدٍ نسيت شيئاً من معنى العطاء. ولهذا تأتي العبارة: "بعض الأشياء لا تؤلمنا حين تحدث، تؤلمنا حين نتذكرها" لتفتح جرحاً أعمق من الحدث نفسه. فالذاكرة هنا ليست صندوقاً نحفظ فيه الماضي، وإنما مرآة نكتشف فيها أحياناً أننا فقدنا أشياء لم نكن نعرف قيمتها إلا بعد أن ابتعدت. ومن اللافت أن شخصيات المجموعة لا تقاس بما وصلت إليه فقط، وإنما بما بقي فيها بعد الرحلة. فالطبيب في "رائحة المطر الأولى" يصل إلى مكانة اجتماعية لم يكن يحلم بها، لكنه يكتشف أن النجاح لا يستطيع أن يمحو الطريق القديم من داخله. ومحمود في "حين ينهزم النوم" يواصل حياته بين الأسرة والعمل والمرض والقلق، لكن ذاكرته تعيده باستمرار إلى الأبواب التي طرقها، والأحلام التي حملها، والأيام التي ظن أنها مضت إلى غير رجعة. وفي النهاية يقف أمام طريق ترابي وضوء بعيد لا يعرف إلى أين يقود. وهنا تبرز قيمة الطريق بوصفه استعارة للحياة نفسها. في هذا الصدد يقول نيتشه: "من لديه سبب يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل تقريباً أيّ كيف" والذي يقرأ هذه المجموعة يجد أن شخصياتها، رغم الخسارات والانكسارات، تبحث دائماً عن ذلك السبب الصغير الذي يجعل الاستمرار ممكناً: أب ينتظر، أم تحضن، حبيب يحتفظ بمفتاح، ابن يعود إلى البيت، أو إنسان يرفع حجراً من بين الأنقاض ليضع حجراً آخر مكانه. فالاستمرار ليس دائماً انتصاراً كبيراً؛ أحياناً يكون مجرد قدرة الإنسان على أن يخطو خطوة أخرى. ولعل المكان في هذه المجموعة يكتسب خصوصيته من ارتباطه بعالم ريفي عراقي واضح الملامح؛ دجلة، الحقول، النخيل، البيوت الطينية، التنور، الفانوس، الغبار، المطر، مواسم الزرع والحصاد، والانتقال من القرية إلى المدينة. لكن الكاتب لا يقدم هذا المكان على هيئة صورة فولكلورية جامدة، وإنما يجعله يتغير مع الإنسان. فالقرية في الذاكرة ليست القرية ذاتها بعد سنوات، والبيت الذي كان مأوى قد يتحول إلى ركام، والطريق الذي كان يقود إلى الحقل قد يصبح طريقاً للرحيل، والنهر الذي كان جزءاً من الحياة يصبح شاهداً صامتاً على ما حدث، وهكذا تتحول الجغرافيا إلى تاريخ شخصي. إن المكان عند عطية علي حمد لا يتكلم بصوت مرتفع؛ لكنه يترك إشاراته في التفاصيل. وهذه من نقاط قوة الكتابة التأملية في المجموعة؛ إذ إن الأشياء الصغيرة تحمل أحياناً ما تعجز عنه الخطب الطويلة. وعندما نصل إلى عنوان المجموعة، ندرك أن كلمة "ما تبقّى" هي الأهم. فالكاتب لا يقول: الطريق، وإنما يقول: ما تبقّى من الطريق. وهنا ينتقل السؤال من المسافة إلى الأثر: ما الذي يبقى بعد أن ينتهي السفر؟ ما الذي يبقى من البيت بعد أن نهجره؟ ما الذي يبقى من الحب بعد أن تفرّقنا الأيام؟ ما الذي يبقى من الأب حين تكبر يداه ولا تعودان قادرتين على حمل أعبائه؟ ما الذي يبقى من القرية حين تتحول البيوت إلى صور في الذاكرة؟ وما الذي يبقى من الإنسان نفسه بعد أن يمر بكل ذلك؟ إنها أسئلة لا تحتاج إلى إجابات نهائية، لأن قيمة السؤال أحياناً تكمن في قدرته على مرافقتنا. في نهاية المطاف، تبدو "ما تبقّى من الطريق" مجموعة عن الإنسان أكثر مما هي مجموعة عن الطريق؛ عن ذلك الكائن الذي يمضي، ويظن أنه يترك الأشياء خلفه، ثم يكتشف أن بعض الأشياء لا تُترك، بل تنتقل معه بطريقة خفية. يمضي الإنسان من القرية إلى المدينة، ومن البيت إلى الغربة، ومن الحب إلى الانتظار، ومن الحرب إلى الركام، ومن الفقد إلى محاولة البدء من جديد؛ وفي كل محطة يترك شيئاً منه، لكنه يحمل في المقابل أثراً جديداً. وربما لهذا لا تكون العودة دائماً وصولاً، كما أن الرحيل ليس دائماً مغادرة. فالإنسان قد يصل بجسده، بينما تبقى روحه عند عتبة بيت قديم. وقد يغادر المكان، لكن المكان لا يغادره. وبين الرحيل والعودة، وبين الباب والمفتاح، وبين المطر والذاكرة، وبين الطريق وما تبقّى منه، يضع عطية علي حمد قارئه أمام حقيقة هادئة: لسنا ما وصلنا إليه فقط، وإنما نحن أيضاً كل ما مررنا به، وكل ما فقدناه، وكل ما ظل فينا رغم أن الطريق مضى. وربما يكون الطريق قد انتهى فعلاً، لكن ما تركه في الروح لم يجد بعدُ طريقاً إلى النهاية.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نص نثري: حين صار ظلّاً
-
قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
-
نص نثري: سماءٌ من طفولة
-
نص نثري: الظل
-
قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
-
قصة قصيرة: جزاء الإحسان
-
نص نثري: أشواق
-
ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر
...
-
نص نثري: إلى المجهول
-
قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
-
نص نثري: مَن أكون؟
-
اللحن الحزين
-
قصة قصيرة: عظام الشاة
-
قصة قصيرة: خيط في الظلام
-
مهلاً أيها الصرح
-
قصة قصيرة: الجسد الهامد
-
الطريق الذي لا يصفق له أحد
-
قصة قصيرة: مرافئ التيه
-
نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
-
حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك
...
المزيد.....
-
جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة
...
-
الإقبال الشديد يدفع متحف برلين إلى تمديد عرض بورتريه أنغيلا
...
-
سينما -كينوبورت- تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشما
...
-
أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د
...
-
-نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ
...
-
فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
-
تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت
...
-
وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا
...
-
جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
-
رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|