أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: حين صار ظلّاً














المزيد.....

نص نثري: حين صار ظلّاً


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 11:23
المحور: الادب والفن
    


كان مؤلماً أن تراه حذراً في كل شيء؛ في كلامه، في مشاعره، وحتى في طيبته.
لم يكن كذلك دائماً. كان يمنح كلمته ببساطة، ويترك قلبه مفتوحاً للذين يقتربون منه، كأن العالم لم يمنحه بعد سبباً واحداً كي يشكّ.
لكن شيئاً ما تبدّل.
مرّت الحياة فوق قلبه أكثر من مرة، وكلما نهض من أثرها، تركت فيه شيئاً أقل من الطمأنينة، وأكثر من الحذر. صار يراقب الوجوه طويلاً، ويصغي إلى ما لا يُقال، ويتردد قبل أن يمنح ثقته، كأن وراء كل ابتسامة باباً لا يعرف إلى أين يقود.
كان يشعر، في كثير من الأحيان، أنه موجود بينهم دون أن يكون مرئياً. في زمن أخذت فيه الأشياء أسماء أكبر من أصحابها، وأصبح المال يفتح أبواباً لا تفتحها المروءة، والأنا تتقدم على كل ما سواها، بدا الإنسان البسيط كأنه تفصيل زائد في المشهد.
لم يكن يملك ما يلفت الأنظار. لا مالاً يحيط به، ولا اسماً يسبق خطاه، ولا حاجة لأحد تجعله قريباً منه. كان يملك فقط قلباً لم يتعلم المساومة، وذاكرة تحفظ الوجوه التي مرّت به، حتى تلك التي لم تحفظه.
ومع الأيام، بدأ ينسحب بهدوء. لم يغادر مكاناً، لكنه غادر الكثير مما كان يؤمن به.
صار يحتفظ بفرحه لنفسه، وحزنه لنفسه، وحتى حاجته كان يخفيها كأنها سرّ لا ينبغي أن يراه أحد. لم يعد يمد يده بسهولة، ليس بخلاً، وإنما لأنه تعلّم أن بعض الأيدي التي تُصافحك قد تكون منشغلة بما في يدك أكثر مما هي منشغلة بك.
وكان أكثر ما يؤلمه أنه لم يعد يعرف أين تنتهي الطيبة وتبدأ السذاجة، وأين تنتهي الثقة ويبدأ الغفلة.
لذلك اختار الصمت. كان الصمت، بالنسبة إليه، أقل كلفة من تفسير نفسه. يمرّ بينهم هادئاً، كأن له مكاناً يعرفه وحده. يجلس في الزاوية، يتأمل الأشياء وهي تتبدل، ويرى كيف يكبر البريق حول بعضهم، بينما تنطفئ أشياء كثيرة في الداخل دون أن يلتفت إليها أحد.
ومع ذلك، لم يتحول إلى قسوة. بقي في مكان عميق منه شيء صغير يرفض أن يشبه ما حوله؛ شيء لا يزال يصدق أن للإنسان قيمة لا تُقاس بما يملك، وأن اليد التي تعطي لا تحتاج إلى أن تُصفّق لها الأيدي.
لكنه لم يعد يتحدث عن ذلك. ربما لأن بعض الأشياء حين تُقال تفقد معناها، وربما لأنه أدرك أن المرء يستطيع أن يحافظ على آخر ما تبقى منه، بأن يتركه بعيداً عن الضجيج.

وفي مساء هادئ، مرّ من المكان نفسه الذي كان يجلس فيه ذات يوم. لم يلتفت إليه أحد، توقف لحظة، نظر إلى الكرسي الخالي، ثم مضى. وبقي الكرسي في مكانه، كأن أحداً ما كان ينتظر أن يتذكره المكان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً


المزيد.....




- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...
- الإقبال الشديد يدفع متحف برلين إلى تمديد عرض بورتريه أنغيلا ...
- سينما -كينوبورت- تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشما ...
- أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د ...
- -نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ ...
- فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
- تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت ...
- وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا ...
- جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
- رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: حين صار ظلّاً