أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوعي مع داود سلمان عجاج, اجرت الحوار سوسن يحيى قاسم (الجزء الأول)















المزيد.....

حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوعي مع داود سلمان عجاج, اجرت الحوار سوسن يحيى قاسم (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:45
المحور: الادب والفن
    


داود سلمان عجاج، قاصّ وروائي عراقي، وُلد عام 1961 في قضاء الشرقاط، حيث تفتّحت ملامح وعيه الأولى في بيئة بسيطة، تركت أثرها العميق لاحقاً في مجمل تجربته السردية. في كتاباته تتجاور رهافة اللغة مع عمق التجربة الإنسانية، ليقدّم نصوصاً تنبض بالتأمل، وتغوص في أسئلة الذات والوجود، مستنطقاً الواقع من زوايا داخلية قلقة ومكثّفة.
حصل على شهادة البكالوريوس من جامعة الموصل – كلية العلوم / قسم الجيولوجيا عام 1984، ثم التحق بالخدمة العسكرية، قبل أن يباشر عمله في شركة مصافي الشمال، حيث استمر فيها حتى إحالته إلى التقاعد. وعلى الرغم من انشغالاته المهنية، ظل الأدب شغفه الأعمق وملاذه الأصدق؛ إذ انصرف إلى القراءة طويلاً، إيماناً منه بأن نضج التجربة الإبداعية لا يتحقق إلا عبر التراكم المعرفي والتأمل المستمر.
تُوّج هذا المسار بإنتاج أدبي متنوع، بلغ ستة عشر مؤلفاً، توزعت بين الرواية والقصة القصيرة والكتابة التأملية. ففي حقل الرواية، صدرت له أربع روايات هي: (ماذا لو عاد معتذراً- العتمة- وجع الحلم- آشور.. شواهد وقبور) حيث تتجلى فيها نزعة إنسانية واضحة، تنشغل بثيمات الذاكرة، والهوية، والصراع الداخلي.
أما في القصة القصيرة، فقد أصدر سبع مجاميع هي: (فتاة القلعة- فتاة التيه- فتاة الأعراف- أرملة العشق العذري- صرخة الصمت- مرافئ الذاكرة- حين يصرخ الظل) وقد تميزت هذه الأعمال بقدرتها على التقاط التفاصيل اليومية وتحويلها إلى لحظات دلالية كثيفة، تنفتح على أبعاد نفسية ورمزية متعددة.
وفي مجال الكتابة التأملية، قدّم خمس مجموعات فكرية وأدبية، هي: (مداد الروح؛ تأملات في الفيض الأدبي- أصوات من الأعماق؛ رؤى تأملية- تأملات في رمزية العشق والهوية في ديوان المكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي- مرايا الذات المكسورة؛ تأملات في جدليات السرد والوجود- مواقف ورؤى؛ قراءة جمالية في مجموعة أحلام الرجل العجوز القصصية للدكتور رمضان علي عبود) حيث تتجلى رؤيته النقدية وتأملاته في الأدب والإنسان، ضمن لغة تجمع بين الحس الفلسفي والانفعال الوجداني.
تشكّل تجربة داود سلمان عجاج امتداداً لوعيٍ سرديٍّ ينحاز إلى الداخل الإنساني، ويعيد قراءة الواقع عبر مرآة الذات، في محاولة دؤوبة للبحث عن المعنى وسط تعقيدات الحياة وتشظياتها.
ينشر في العديد من الصحف والمجلات منها ( أوروك- الحقيقة- المرايا- الجُمان- التلغراف- الصباح الجديد- القصة الذهبية- الابداع- المصافي- صدى الريف).
وبعد هذه الإطلالة الموجزة على مسيرته الإبداعية، نقترب من تجربته الأدبية، ونستجلي رؤاه ومصادر إلهامه، ونصغي إلى ما تختزنه تجربته من أسئلة وتأملات، في الحوار الآتي:
س1: ما الذي يستدعي حضور المونولوج في كتابات حضرتك، وما الذي يتيحه لك هذا النمط من التوغل في أعماق الذات واستجلاء خفاياها؟
أميل في الغالب إلى المونولوج؛ لأنه بالنسبة لي يمثل الصوت الداخلي للإنسان، ذلك الصوت الذي لا تحكمه المجاملات ولا يفرض عليه الآخرون أقنعتهم. في المونولوج أجد مساحة أتحاور فيها مع ذاتي بكل شفافية، أستعيد فيها الأسئلة والهواجس والذكريات كما هي، من دون رتوش أو محاولات للتجميل. ولعلني أراه من أصدق أشكال الكتابة، لأنه يكشف ما قد يعجز الإنسان عن قوله للآخرين، ويمنح الذات فرصة لأن تقول حقيقتها بصوتها هي، بعيداً عن سلطة الخارج وضجيجه.

س2: ما العلاقة التي تتجسد بين الوطن والإنسان في وجدانك بوصفك كاتباً، وكيف تشكّل حضور الانتماء في وعيك، وانعكس في منجزك الأدبي والإنساني؟
ليست علاقة الإنسان بالوطن علاقةً جغرافيةً محضة، ولا مجرد ارتباطٍ باسمٍ في الهوية أو بخريطةٍ تحددها الحدود. فالوطن، في أعمق معانيه، هو المكان الذي تتشكل فيه الذاكرة، وتنمو فيه الأحلام، وتتأسس فيه علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين.
الوطن ليس أرضاً يسكنها الإنسان فحسب، بل مكاناً يشعر فيه أن لوجوده معنى، وأن لحياته جذوراً تمتد في الذاكرة والوجدان. فيه تتشكل تفاصيل الطفولة، وتبقى ملامح البيوت والشوارع والوجوه حاضرةً حتى بعد الرحيل.
لذلك فإن الانتماء إلى الوطن فعلٌ وجودي؛ فالإنسان قد يبتعد عن وطنه جغرافياً، لكنه يحمله في ذاكرته وقلبه. وقد يعيش في أرضٍ ما دون أن يشعر بأنها وطنه، لأن الوطن الحقيقي ليس ما تحدده الخرائط وحدها، بل ما يمنح الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء والكرامة.
إن الوطن في جوهره علاقة متبادلة بين الإنسان والمكان؛ فكما يمنحنا الوطن ذاكرةً وهويةً وجذوراً، نمنحه نحن من أعمارنا وأحلامنا وآمالنا. ولهذا لا يكون الوطن مجرد ترابٍ نعيش عليه، بل معنى نعيش من أجله، ومكاناً نشعر فيه أننا لسنا عابرين، بل جزءٌ من حكايةٍ أكبر منا.

س3: نلمس في أغلب قصصك ورواياتك حضوراً واضحاً للمكان وارتباطاً عميقاً به، فكيف تنظر إلى المكان، وما الذي يمثّله في تجربتك الأدبية؟
المكان ليس مجرد أرض نعيش عليها، أو بيتٍ نسكنه، أو بلدٍ ننتمي إليه؛ إنّه أعمق من ذلك، فهو الحيّز الذي نترك فيه جزءاً من ذواتنا، ونصنع فيه شيئاً من ذاكرتنا وملامح حياتنا. ففي القرية التي احتضنت طفولتنا، والشارع الذي شهد بداياتنا، ومكان العمل الذي أمضينا فيه سنوات من أعمارنا، كما في النهر والصحراء والقلعة وكل فضاء عشنا تفاصيله، تتشكل علاقة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى الوجدان.
ولذلك، حين نغادر المكان، لا يغادرنا تماماً؛ إذ يبقى حيّاً في الذاكرة، وقد يعود إلينا فجأة بلحظة شوق عابرة، أو رائحة، أو صورة، أو تفصيل صغير يستدعي زمناً كاملاً. فالمكان في جوهره ليس ما نسكنه فحسب، بل ما يسكن فينا؛ وما نتركه خلفنا قد يتحول، مع الزمن، إلى جزء لا يُنسى من ذواتنا.
س4: كيف تنظر إلى الهوية في مسارك الأدبي؟
ليست الهوية، في بعدها الإنساني العميق، مجرد اسم يحمله الإنسان، أو أرض يولد فوقها، أو ذاكرة يستعيد منها بعض الصور كلما ابتعد عن المكان؛ فالهوية أعمق من ذلك كله، إنها علاقة متشابكة بين الإنسان وذاكرته، وبين الذاكرة والمكان، وبين المكان وما يتركه الزمن فيه من آثار لا تزول بسهولة.
الهوية في جوهرها، هي ذلك الخيط الخفي الذي يصل الإنسان بما كانه، وما أصبح عليه، وما يتطلع إلى أن يكونه. وهي ليست شيئاً ثابتاً يُمنح للإنسان مرة واحدة، بل تتشكل باستمرار من التجربة، واللغة، والذاكرة، والعلاقات، والأمكنة، وحتى من الخسارات التي تترك في الروح ندوباً تتحول مع الزمن إلى جزء من ملامحنا.
ومن هنا، فإن سؤال الهوية لا يظهر عادة في أوقات الاستقرار والطمأنينة بقدر ما يظهر حين يشعر الإنسان بأن شيئاً ما يتداعى من حوله، أو حين تتسع المسافة بين ما كان عليه وما آل إليه، إلى الحد الذي يدفعه إلى السؤال: من نحن؟ وما الذي بقي منا؟ وأيّ جزء من ذاكرتنا ما زال قادراً على أن يقول: هذا أنا؟
لذلك أرى أن الهوية ليست إجابة جاهزة عن سؤال: من أنا؟، بقدر ما هي رحلة مستمرة في البحث عن الذات وسط ما يتغير من حولنا. إنها ما نحاول الاحتفاظ به حين تتبدل الأمكنة، وما يبقى منا حين تتساقط الأشياء، وما يجعل الإنسان قادراً على أن يقول، رغم كل التحولات: قد لا أكون كما كنت، وقد لا يكون المكان كما عرفته، لكن ثمة شيء في داخلي ما زال يحمل أثر البداية.
فالهوية، في النهاية، ليست أن نتمسك بالماضي كما هو، وإنما أن نحمل معناه معنا ونحن نعبر إلى المستقبل؛ لأن الإنسان لا يسكن المكان وحده، بل يسكن أيضاً ما تركه المكان في روحه.
س5: كيف تتشكل الذاكرة في وجدانك، وهل تظلّ أسيرة الماضي، أم تمتد خيوطها إلى الحاضر وتتجلى في ما تكتب؟
ليست الذاكرة صندوقاً مغلقاً نضع فيه صور الماضي، ثم نعود إليها كلما اشتقنا إلى زمن مضى، بل هي كائن حي يظل يتحرك في أعماق الإنسان، يعيد ترتيب الأشياء كلما تقدم به العمر، ويمنح التفاصيل الصغيرة التي ظنناها عابرة معاني جديدة. فما ننساه في لحظته قد يستعيد حضوره بعد سنوات، لا بوصفه حدثاً من الماضي فحسب، بل بوصفه جزءاً من تكويننا الداخلي.
وحين يبتعد الإنسان عن بداياته، فإنه لا يبتعد عنها تماماً؛ فثمة أشياء تظل معلقة في الذاكرة، تقاوم المسافة والزمن: القرية الأولى، والبيت الطيني، وصوت الأم، ورائحة الخبز، ومجرى النهر، وطرقات الطفولة، ووجوه الذين عبروا حياتنا ثم غابوا. كل تلك التفاصيل لا تبقى مجرد صور محفوظة، وإنما تتحول إلى علامات خفية تسهم، من حيث لا نشعر، في تشكيل رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا.
ولعل المفارقة أن الذاكرة لا تحفظ الماضي كما كان تماماً، بل تعيد بناءه من موقع الحاضر؛ فنحن كلما عدنا إلى ما مضى اكتشفنا فيه شيئاً لم نكن قادرين على رؤيته من قبل. ولهذا قد يصبح المكان البعيد أكثر حضوراً فينا من المكان الذي نعيش فيه، وقد يصبح صوت قديم أكثر وضوحاً من أصوات كثيرة نسمعها كل يوم.
لذلك، فالكتابة عن الذاكرة ليست كتابة عن زمن انتهى بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر من خلال جذوره؛ فالماضي لا يموت بمجرد انقضاء أيامه، وإنما يعيد تشكيل نفسه داخل الوعي، ويتخذ صوراً جديدة كلما تغير الإنسان. وربما لهذا السبب تصبح الذاكرة، مع مرور الوقت، أقل ارتباطاً بما حدث وأكثر ارتباطاً بما تركه ما حدث فينا.
إنها ليست مجرد استعادة لما كان، بل حوار مستمر بين الإنسان وماضيه؛ حوار نكتشف من خلاله أن بعض الأمكنة لا نغادرها حقاً، وأن بعض الوجوه لا يغيب أصحابها تماماً، وأن الطفولة، مهما ابتعدت، تظل واحدة من أكثر الطرق خفاءً التي تقودنا إلى فهم ذواتنا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه


المزيد.....




- سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق
- وتر الفرح وملاذ النزوح.. -الربابة- توثق ذاكرة أهالي بعلبك
- -الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي ...
- بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم ...
- كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
- خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا ...
- من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال ...
- الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
- أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوعي مع داود سلمان عجاج, اجرت الحوار سوسن يحيى قاسم (الجزء الأول)