أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: نافذة الغجر














المزيد.....

قصة قصيرة: نافذة الغجر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 08:13
المحور: الادب والفن
    


في صيفٍ يلفح الحجرَ قبل الجسد، وقبل أربعين عاماً من العمر التي تترك أثرها في ظهر الرجل، كان الرجل الريفي يقف أمام لهيب اللحام كأنه يحارب شمساً أخرى. ورشته في منطقة صناعية نائية، لا شجر فيها، ولا ظل، ولا صوت سوى صرير المعادن وهي تذوب. خمسة أيام في الأسبوع، وهو يملأ الفراغات بين الصفائح، يظن أن النار التي تنبعث من قبضته هي نفسها التي تأكل روحه رويداً رويداً.
في نهاية كل أسبوع، كان يعود إلى سكنه بين أقرانه من أبناء جلدته، لكنه كان يشعر بأنه لم يغادر الورشة. وجوه مألوفة، أحاديث مكررة عن العمل والأوجاع، وشاي ساخن لا يشبه شيئاً. حتى في منامه، كانت شرارات اللحام ترقص خلف جفنيه، وكأن التعب أصبح كائناً مستقلاً يسكن عضلاته.
في يوم جمعة، وبينما كان يركب في حافلة إلى مركز المدينة، شاهد لافتة صغيرة مكتوباً عليها: "مخيم الغجر – 50 كم". لم يعرف لماذا قلبه خفق. ربما الفضول، أو ربما اليأس من كل الطرق الأخرى.
لذا قرر الترجل من الحافلة والتوجه إلى حيث المخيم، وحينما وجد سيارة تقله، رأى من بعيد خيماً ملونةً، وعندما اقترب رأى ناراً تتقد في الوسط، ووجهاً امرأة عجوز ذات خمار مطرز بالخرز. تقدمت نحوه بفضول، وقالت:
- أنت من بعيد؟ وجهك محروق بالنار... تعال، اجلس على البساط، ودع الربابة تلملم شتاتك.
ابتسم الرجل الريفي للمرة الأولى منذ شهور، وجلس. عزفت الربابة، ورقصت فتياتٌ بحركات شرقيةٍ جميلة، وانسابت الموسيقى في جسده كالماء البارد. شعر أن التعب يذوب من عظامه، ليس لأن الموسيقى سحرية، بل لأن أحداً هناك لم يسأله عن عمله، أو عن عمره، أو عن سبب تعبه. كانوا يقبلونه كما هو: رجلاً متعباً يحتاج إلى نغمة.
ومع الأيام، توثقت علاقته بأهل المخيم. صار يعرف أسماء النساء، ويعرف أي خيمة تُعدّ له الشاي، وأي فتاة تضحك إذا تأخر في الرقص. صاروا ينتظرونه كل جمعة، وإذا تأخر ساعةً، كانت العجوز تقول له:
- الرجل الريفي قد تأخر اليوم، لعله وجد ناراً أشد من نارنا.
وكان يرد في نفسه:
- لو وجدت ناراً أدفأ من قلوبكن، لكنت بقيت فيها.
ثم جاء ذلك الصباح المشؤوم. بينما كان يلحم قطعة حديد ثقيلة، شعر بدوارٍ غريب، ثم انهار على الأرض، وفمه مفتوح على صرخة لم تخرج. نُقل إلى المشفى، حيث تشخّص إصابته بإجهاد حراري حادٍّ، ونوبة قلبية خفيفة. ظل هناك أسبوعاً، ثم أسبوعين، ثم ثلاثة، ولا أحد من أقرانه في السكن سأل عنه، سوى زميله صاحب الدكان قرب السكن، حيث زاره وقال:
- يا رجل، متى ترجع؟ الدكان صار مملّاً بدونك.
لم يردّ الرجل الريفي. كان يحدق في سقف المشفى الأبيض، ويتساءل: هل سيتذكرني أحد هناك؟ أم أنني مجرد لحامٍ آخر يذوب في النسيان؟
أما في المخيم، فقد استغربت النساء غيابه. مرّت ثلاث جمعات، ولم يظهر من بعيد. تجمّعن عند خيمة العجوز، وقلن بصوتٍ واحد:
- لا بد أن شيئاً قد حدث. الرجل الريفي لا يغيب هكذا.
قررن أن يذهبن إلى مكان عمله. ركبن سيارةً صغيرة، وقطعن الخمسين كيلومتراً تحت شمس الظهيرة. وصلن إلى الورشة، وتقدّمت إحداهن إلى العامل هناك، وسألته بلهجةٍ خليطٌ من الخوف والغضب:
- أين الرجل الذي كان يأتي كل جمعة؟ نحن نعدّ له الشاي على نار الحطب.
نظر العامل إليهنّ بحيرة، ثم قال:
- هو في المشفى، منذ أسبوعين أو أكثر، وما ظننت أحد سأل عنه.
لم تنتظر النساء. اتجهن إلى المشفى، ودخلن غرفته كالسيل. كان الرجل الريفي مستلقياً، شاحباً، محاطاً بأنابيب وأجهزة. لكنه حين رآهن، فتح عينيه على اتساعهما.
انفجرت إحداهن بالبكاء، ثم تبعتها الثانية، والثالثة، حتى امتلأ المكان بنحيبٍ عالٍ، ليس من حزنٍ فقط، بل من غضبٍ على كل الأيام التي ضاعت بلا سؤال. نظر إليهن، وشعر فجأة بتحسّن غريب يجري في عروقه. رفع يده المرتجفة، وقال بصوتٍ بحةُ اللحام لا تزال فيه:
- انكنّ أفضل من كل أقراني، من أبناء جلدتي، انتن قمة الوفاء.
فردّت أصغرهنّ، وهي تمسح دمعها بكفّها:
- نحن لا ننسى من يرقص معنا تحت القمر، ولو غاب.
سكتّ النساء، وسكت هو، لكن ضجةً غريبةً دبت في الغرفة: كانت المروحة السقفية تدير ظلها على وجوههن، فبدت له كأنها خيمةٌ تدور في مهب الريح. أغمض عينيه، ولم يعد يعرف إن كان يسمع دقات جهاز التنفس، أم وقع دفٍّ بعيدٍ يأتي من جهة المخيم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين


المزيد.....




- فنانون يحتجون على تقليص الإنفاق الثقافي بالموسيقى والرقص وال ...
- ماكرون: هدنة غزة -مسرحية مخزية- وعار علينا جميعا
- اتحاد الأدباء يحتفي بالأعمال المسرحية للراحل محمد علي الخفاج ...
- شبه عارية.. بطلة روسيا كنوروز تنتقد سلوك الممثلة الأمريكية س ...
- احتجاجات في القامشلي تطالب بالاعتراف باللغة الكردية لغة رسمي ...
- من دمشق إلى فلسطين.. أمل عرفة تفتح -مساحة تانية- بصوتها
- لماذا يرى من يتناولون المغنيسيوم كوابيس -كأفلام الرعب-؟
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد الجامعة ...
- إسرائيل تشرع في دراسة سحب جنسية مخرجي فيلم نازا
- إيران تنفي -الرواية الأمريكية- بشأن الملاحة في مضيق هرمز


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: نافذة الغجر