أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لن أنهض














المزيد.....

لن أنهض


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 01:32
المحور: الادب والفن
    


كانت هناك عجوزٌ طاعنة في السن، لم يبقَ لها من الدنيا سوى ولدٍ واحد. لا زوج يؤنس وحدتها، ولا بنتٌ تخفف عنها ثقل الأيام، ولا أخٌ للولد يسانده حين تضيق به السبل. كانا يعيشان في خيمةٍ مهلهلة عند طرف المكان، وحولهما بعض الأواني، وفراشٌ بالٍ، وصندوقٌ صغير، وأشياء قليلة لا تساوي شيئاً في أعين الآخرين، لكنها كانت كل ما يملكان.
كانت العجوز تراقب الناس من حولها، وتحسب لكل حركة حساباً، وتبحث في ذهنها عن مخرج لكل احتمال. غير أن ما كانت تفكر فيه كثيراً ما كان يتجاوز حدود ما تستطيع فعله.
ذات صباح، رأت القوم يشدون رحالهم. الجمال تتحرك مثقلةً بالأحمال، والمتاع مربوطٌ فوق ظهورها، والناس يمضون في جماعات، كأن الطريق دفعهم جميعاً إلى جهةٍ واحدة. ظلت العجوز تراقبهم طويلاً، ثم نظرت إلى خيمتها، وإلى ما حولها من متاع.
كان الرحيل يقترب، وهي تعرف أنها لا تملك جملاً تحمل ما لديها، ولا فرساً تقيها مشقة الطريق، ولا حماراً، ولا أحداً يمكن أن يستند إليه الاثنان. استشارت ولدها عن السبيل لحمل متاعهما، فما منه إلا أن تمدد على الأرض. استغربت العجوز من فعل ولدها، لكنه قطع شكها، قائلاً:
- ضعي المتاع فوق ظهري.
بدأت العجوز تجمع متاعهما وتضعه فوق ظهره؛ الفراش، والصندوق، والأواني، والحطب، وما خفّ من الأشياء التي رافقتهما سنوات طويلة. ثم جاءت الخيمة، فككت قماشها، وجمعت حبالها، ونزعت أعمدتها واحداً بعد آخر، وراحت تضع كل شيء فوق الحمل. كان جسده يغيب شيئاً فشيئاً تحت المتاع، حتى لم تعد ترى منه إلا جزءاً صغيراً.
واصلت العجوز جمع ما تبقى، كأنها تخشى أن تترك وراءها شيئاً يمكن أن تحتاجه في الطريق. ثم توقفت. لم تجد سوى بعض الأعمدة، رفعت عينيها إلى الحمل الملقى أمامها، وقالت:
- بقيت بعض الأعمدة.
جاءها صوته من تحته، متقطع الأنفاس:
- ضعيها فوق ظهري.
وضعتها، ثم وقفت تنتظر أن ينهض. لم يتحرك. اقتربت منه، وحاولت أن ترى وجهه فلم تستطع.
قالت بصوتٍ خافت:
- يا بني...
جاءها صوته من تحت الركام:
- لن أنهض.
جلست العجوز إلى جوار الحمل. كان القوم قد ابتعدوا، والجمال تحمل أصحابها ومتاعهم وتمضي بهم بعيداً. أما هي، فبقيت أمام مكان خيمتهما، وقد أصبح البيت كله فوق ظهر ولدها. لم تعد تعرف أيهما أثقل: ما حمله الولد فوق ظهره، أم ما حمله العمر فوق روحه.
ظلت جالسةً هناك، أمام طريقٍ مفتوحٍ لا تستطيع أن تسلكه، وولدٍ لا يستطيع أن ينهض، ومتاعٍ لم يعد أحدٌ يعرف لمن كان.
وكأن الرحيل لم يكن يحتاج إلى طريق، بل إلى قدرةٍ على حمل كل ما أثقل الروح... وهذه القدرة لم تعد موجودة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...


المزيد.....




- غارفيلد يتخلى عن تشات جي بي تي بعد تجسيد ألتمان في فيلم أرتي ...
- عمان.. ملتقى زمن الأبطال للفيلم الوثائقي
- معاوية عبد المجيد يروي كيف فضح أديب إيطالي-سوري فظائع الاستع ...
- مركز الفنون والثقافة يدشن فعاليات مسابقة سميرة عبده في فن «ا ...
- -مسألة حياة أو موت- يمثل السعودية في سباق الأوسكار لأفضل فيل ...
- أيام قرطاج الموسيقية… الموسيقى تغادر القاعات إلى الشوارع وال ...
- ثقافة تنطلق من الخيام.. الكتب الناجية من الركام في غزة تتحول ...
- اختبار المصداقية: كيف طغت الرواية الإسرائيلية على الإعلام ال ...
- نصب تذكاري لإيفان الرهيب في كرملين أستراخان
- من تولستوي إلى سولجنيتسين.. ماذا يروي أرشيف نوبل عن الأدب ال ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لن أنهض