داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 10:04
المحور:
الادب والفن
يبدأ عمله الأخير بعد سلسلة أعمالٍ تنقّل فيها بين أكثر من مكان، كان أبرزها عمله في رعي الأغنام بالأجرة. غير أن تلك المهنة لم تمنحه الاستقرار، إذ ظلّت سمعةٌ تلاحقه أينما حلّ: “الذئب لا يأكل إلا من غنمه”، عبارة ترددت على ألسنة الناس حتى تحولت إلى وصمة تطارده، فكان يُطرد في كل مرة، وكأن الفشل قدره الذي لا فكاك منه.
تكررت التجارب، وتراكمت الخيبات، حتى صار هاجس الفشل يؤرقه ليلاً ونهاراً. نظرات الرجال تلاحقه، وكلمات النسوة لا ترحم، وصبية القرى يرمونه بسخريةٍ بريئة لكنها قاسية، فتسقط عليه كالصاعقة. كان يشعر كأن شيئاً أخطبوطياً يلتف في داخله، يضغط أعصابه ويبعثر توازنه، فتتراكم الكوابيس الثقيلة والانفعالات المرتبكة، محاولاً إخفاء عجزه الذي بات واضحاً للجميع.
لكن لا بد له أن يتجاوز محنته؛ كان يرى في عمله الأخير فرصةً أخيرة لقطع دابر الشكوك التي ارتسمت على وجوه الآخرين. أرقٌ مستمر، وتوترٌ لا ينقطع، وهو يردد في داخله: كيف يواجه هذا الذئب الذي صار رمزاً لفشله؟
ثم يخطر له السؤال بإلحاح: لماذا لا يأكل من غيره؟
يتحدث إلى مالكي الأغنام، مقترحاً تدبير بندقية صيد وعدد من الطلقات، يحملها معه، ويخفيها عن أعين الذئب الذي بات يشعر وكأنه يراقبه. يكرر تفقدها بين حين وآخر، يتأكد من جاهزيتها، يراقب حركة الذئب من بعيد متظاهراً باللامبالاة، لكنه يقترب شيئاً فشيئاً، كمن يقف على حافة امتحان مصيري: سمعته ومستقبله على المحك.
وفي اللحظة الحاسمة، يصوّب ويطلق، فيسقط الذئب. يهرع نحوه، يعيد تعبئة البندقية، يصوّب من جديد، ثم يطلق.
يتجمع الرعاة والصبية حول المشهد، بينما يطلق هو رصاصة في الهواء. كانت تلك لحظة نشوةٍ جارفة، إحساساً بالانتصار، وتحرراً من ثقل الضعف، وكأن شيئاً من ذاته القديمة قد انهار ليولد مكانه شعورٌ جديد بتدارك الذات قبل سقوطها الأخير.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟